العدالة والتنمية بعد التطبيع: حين أصبح الحزب عاريا

الفرفار العياشي ـ أكادير
الطريق الى السلطة شاق لكن الحفاظ عليها أكثر مشقة، انه الدرس الأساسي من تجربة حزب العدالة والتنمية بالمغرب.

توقيع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني على مجموعة اتفاقيات مع الدولة الاسرائيلية، وبحضور الملك شكل  صدمة داخل الحزب و خارجه، وهو ما استغله خصوم الحزب و منافسيه في تصفية الحساب معه.

بلا شك ان العثماني تصرف بمنطق رجل الدولة، الذي من المفروض فيه تجسيد قرارات الدولة و الحفاظ على مصالحها ، وليس مراعاة مشاعر و عواطف انصاره و منخرطي حزبه ، لسبب بسيط ان الحزب وسيلة و السلطة غاية  اما الدولة في الإطار الذي يجمع الاثنين.

حجم الاستياء من شخص الأمين العام في فضاءات التواصل الاجتماعي كان كبيرا و ربما مبالغا فيه جيت عمد المستهزئون والمنتقدون الى تذكيره بمواقفه السابقة التي كان يعتبر فيها ان التطبيع مع اسرائيل هو ابادة حضارية.

الحدث يشكل ارضية لأثارة مجموعة من الملاحظات و منها:
 
أولا : طبيعة الحزب و قدرته على التموقع

سبق ان أصدرت مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي تقريرا  حول حزب العدالة والتنمية ، حيث شبهته بالأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا التي تنطلق برامجها من القيم المسيحية، لكنها تقدم برامج مدنية، حيث يتحقق الفعل  السياسي  ليس باعتباره فعلا مقدسا ، وإنما كفعل بشري يهدف إلى تحقيق أهداف سياسي حتى لوكانت” مدنسة”.

توقيع العثماني لم يكن مشكلة بسبب طبيعة الاتفاقيات و جدواها الاقتصادية، و استثمارها في ايجاد حل لمشكل الوحدة الوطنية و الترابية للمغرب . لأنه على ما يبدو ان طريقة تدبير الملف قد تغيرت من خلال الانتقال من المقاربة الدبلوماسية، و الرهان على الامم المتحدة لانهاء النزاع المفتعل الى الآلية الاقتصادية كمدخل وآلية جديدة لتدبير المشكل.

الاحتجاج ليس على العثماني  كرئيس للحكومة المغربية ، و لكن كأمين عام لحزب يدعي انه حزب بمرجعية إسلامية.
 
الحزب بكافة فصائله يحمل خطابا معاديا لاسرائيل و يتماهى مع التيارات الاسلامية العابرة للحدود، وهو ما اكسب الحزب قوة و زخما شعبيا ، تجسد في المسيرات المليونية التي كانت تنظم دفاعا على فلسطين و عن القضية الفلسطينية.

ان يوقع الأمين العام لحزب إسلامي على ما كان يعتبره عدوا للأطفال، و مغتصبا للأرض  و منتهكا للحقوق  ، وأن الصراع مع اسرائيل ليس صراع حدود جغرافية وإنما هو صراع وجود ، أي ان حياة طرف يشترط الغاء و تل الطرف الاخر ، لأنه يستحيل ان يتعايش الطرفان معا.

في لحظة تغير كل شئ و اصبح العدو صديقا ، وهو أمر محير فعلا ، لكنه قابل للفهم و الاستيعاب ان فهمنا طبيعة الحزب و رهاناته، انه حزب سياسي يبحث عن السلطة و يراهن على الحفاظ عليها ، بمعنى ان الإسلام طريق والسلطة هدف وغاية.

السلطة هي مفتاح فهم اشكالية التحول و الانقلاب السريع ، وهو ما عبر عنه الأمين العام السابق للحزب عبد الإله بنكيران في تصريحه الاخير ، و المذاع مباشرة بعد التوقيع حين اعتبر ان رهانات الحزب كانت دائما تحاول إقناع أصحاب القرار بالمملكة، ان الحزب لا يشكل خطرا على احدا . وانه حزب مسالم و مهادن و انه يريد الوصول إلى السلطة عبر الإدلاء، و التاكيد على حسن سيرته و نقاء مساره السياسي.

ثانيا  : البراغماتية السياسية وتدبير الملفات  

تاريخ حزب العدالة والتنمية وهو تاريخ تدبير أزماته خارجية ، والتي كانت نتاج خصومة بسبب تنافس في غالب الأحيان كان غير شريف وغير اخلاقي ( دعوات حل الحزب و مسيرة ولد زروال ).

المؤشرالاول : لحظة التأسيس

الصعود القوي للحزب لاسيما على الصعيد الانتخابي كان مقلقا ، لدرجة تأسيس حزب سياسي جعل مشروعه الاساسب هو مواجهة العدالة و التنمية وفرملة مسارها التطوري اللافت ،  مجموعة وقائع تؤكد نجاح الحزب في تدبير الأزمات انطلاقا من اللحظة التأسيسية و الاندماج مع حزب الخطيب في الحركة الدستورية الاجتماعية، وهو ما يعني منح مؤشرات الانضباط السياسي لقواعد النسق السياسي المغربي المراقب باحكام ، مربع الملك بتعبيرالانتربولوجي ريمي لوفو.

المؤشر الثاني : تداعيات الهجمات الارهابية بالبيضاء  2003

بعد محطة التأسيس  دبر الحزب و بنجاح تداعيات الهجمات الإرهابية بالبيضاء، حيث تعالت الكثير من الأصوات لحل الحزب و منعه من المشاركة السياسية . مرونة كبيرة إثر الضغوطات التي مورست ضده عقب الأحداث الإرهابية ل 16 ماي 2003 بالدار البيضاء ، واستطاع تجاوز العاصفة بقدر من الحكمة وضبط النفس ولم ينجر إلى المواجهة والصدام بفعل الاستفزازات التي تعرض لها. وتحميله المسئولية المعنوية للأحداث الإرهابية بسبب دعمه للتنظيمات المتطرفة وترويجه لفقه الغلو والتشدد . وكان مما فعله أنه صوت لصالح قانون الإرهاب ثم موافقته على مشروع مدونة الأسرة بعد عرضه على المصادقة داخل البرلمان ، فضلا عن قرارات أخرى أكثر أهمية وجرأة دون أن يكون لها تأثير سلبي على الحزب،

المؤشر الثالث : مغادرة العثماني لوزارة الخارجية

رغم ان القرار  كان مؤلما بالنسبة لأنصار العدالة والتنمية  لكان قرار فرضته الظروف الجديدة،فتغيير العثماني في  حكومة  ابن كيران في نسخته الأولى ،  في المغادرة لم تكن  لسبب شخصي وانما نتيجة تغيير  ظروف دولية  ولا سيما ارتدادات الانقلاب العسكري بمصر على شرعية مرسي ،و ضغوط المملكة العربية السعودية  في محاصرة كل التيارات الاسلامية ، التي تتعاطف مع حركة الاخوان المسلمين.

الواقعة تكشف اهمية و احترام التنظيم وهو ما أكده  العثماني حين  رد  على توقعات بإمكانية انشقاق العدالة والتنمية ان انتظارهم سيطول ،اشارة ان التنظيم اهم من الأشخاص. وشدد العثماني على أن اختلاف وجهة النظر والآراء بين أعضاء المجلس الوطني، والاختلاف في التحليل أحيانا لا يعني انشقاق. الحزب بقدر ما يعني أن الحزب متحرك وليس حزبا ستالينيا. وأضاف أن النقاش الداخلي العميق والمسؤول هو الضامن لإصلاح سياسي وهو عنوان الديموقراطية.

المؤشر الرابع : تقليص عدد الترشيحات

تقليص الترشيحات لتشمل عددا محددا من الدوائر الانتخابية حتى لا يحصل الحزب على نسبة أكبر من المقاعد البرلمانية ؛ خصوصا وأن الظرف الدولي لم يكن يسمح بفوز الإسلاميين بالانتخابات في ظل الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة عقب هجمات 11/9/2001

الحزب يتقن الانحناء أمام العاصفة دون أن يفقد قواعده التنظيمية أو مصداقيته لدى المتعاطفين معه وهو الأمر الذي يبين قوة التنظيم الداخلي.

المؤشر الخامس : الاعتراض على انتخاب الرميد رئيسا للفريق البرلماني

الحزب لم يتردد  في التدخل بما يرفع عنه الحرج بسبب انتخاب مصطفى الرميد رئيسا للفريق البرلماني لمواقفه المتشنجة والمتصادمة أحيانا مع جهات داخل الدولة .

المؤشر السادس : تدبير متابعة أعضائه بالكثير من المرونة

– متابعة بعض قياداته كما كان الحال مع جامع المعتصم ــ عضو الأمانة العام للحزب الذي اعتقلته النيابة العامة بتهمة الفساد الإداري والشطط في استعمال السلطة و كدا متابعة محمد حامي الدين.

المؤشر السابع : تدبير الزوابع الأخلاقية

تعرض الحزب للكثير من الانتقادات لاسيما بسبب قضايا أخلاقية، مست الصف الأول من قيادته منها قضية شاطئ الحوزية و قضية الطاحونة الحمراء باريس.

المؤشر الثامن : الفيتو على عبد الإله بنكيران

من اكثر الازمات الخارجية التي تعرض لها الحزب هو الفيتو الذي وضعه حزبي الاتحاد الاشتراكي و حزب التجمع لمنع ترأس عبد الإله بنكيران للحكومة الثانية و دعوة الحزب الى ترشيح اسم جديد ، رغم بعض التوتر العاطفي والانفعالي و الذي جسدته عبارة مصطفى الرميد انه يرفض ان يكون ابن عرفة جديد ، فإن منصب وزير الدولة كان سببا ربما كافي لمباركة الفيتو و القبول به.

هذه المؤشرات و غيرها و هي كثيرة بلا شك تكشف منطق الفعل السياسي لدى الحزب  حيث يتعامل مع الواقع السياسي بالكثير من البرغماتية ، من خلال القدرة على الانحناء أمام العواصف و في ذات الوقت.

يجيد استثمار الفرص أيا كان حجمها. الحزب يحرص على تصيد الفرص لتسجيل المواقف وإثارة الانتباه  كأضعف الإيمان ، كمحاولة لترسيخ ان الحزب هو ضمير الامة الأخلاقي  باعتباره هيئة سياسية تتصدى لما قد يمس الدين أو الأخلاق أو يتهدد الهوية العربية الإسلامية للشعب المغربي، وكمثال مناهضة مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية الذي أعدته الحكومة في سنة ، 1999 و الترافع في القضايا المرتبطة بوجدان المواطن المغربي مثل قضية فلسطين و القدس و العروبة و الاسلام.

ثالثا : ازمة داخلية غير مسبوقة و تحدي الحفاظ على الانسجام الداخلي

قوة الحزب تجسدت في القدرة على الاستثمار الجيد في مشاكله الخارجية – مسيرة ولد زروال نموذجا – وهو مؤشر يقود الى استنتاج ان انسجام الحزب، و قوته مشروطة بوجود خطر خارجي او عدو خارجي يحاول القضاء على الحزب و تدميره ، وهو ما يصنع قاعدة إسمنتية تجعل الولاء للحزب مقدسا ، و غير قابل للنقاش ، حيث كلما ازداد الضغط على الحزب كانت تزداد شعبيته و هي مفارقة سياسية غريبة لدرجة ان شعبية الحزب ارتفعت رغم قرارات حكومة بنكيران التي كانت عقابية للمواطن.

الحفاظ على الانسجام والوحدة الداخلية رهين بوجود خطر خارجي يتقاطع من تصورات المحافظين الجدد، التي تحدث عنها ليو ستروس Léo strauss  و التي تجسدت في عهد الرئيس الأمريكي الاسبق جورج دبليو بوش  على اعتبار ان كارل بولز و كونداليزا رايس أحد تلاميذه ستروس.

توقيع العثماني  مع من كان يعتبرهم مصدرا للشر الأخلاقي يجعل الحزب أمام واقعة غير مسبوقة في تدبير أزماته ، انها ازمة استثنائية ، لأنها أزمة داخلية و ليست خارجية.

ان تكون ازمة داخلية ، هنا يكمن عمق المشكلة وتعقيداتها ، لأن الحزب ظل يحافظ على استقراره، و انسجامه الداخلي بسبب الاستثمار في المشاكل الخارجية و التي منحته قوة وصمودا.

الازمة الحالية مرتبطة بالنسق الداخلي للحزب، فالخطر الان هو خطر داخلي ، لاعلاقة له باليسار او اليسار المتطرف او الحركة الصهيونية و الدولة الاسرائيلية أوفي مواجهة التماسيح و العفاريت.
 
الازمة داخلية ، و ان الشيطان يسكن في تفاصيل الحياة الداخلية للحزب ، لانه كان يقدم نفسه كحزب بمرجعية اسلامية تنتصر للقيم و القدس و العروبة و الاسلام، وبالتالي تجعل من اسرائيل عدوا يجب الخلاص منه من أجل بناء سلام شامل ودائم على اعتبار ان جوهر الصراع مع اسرائيل،  هو صراع وجود و ليس صراع حدود ، فالحدود في المنظور السياسي للحزب ذات طبيعة دينية ووجودية و ليس حدودا جغرافية و مادية.

الأزمة العميقة التي أحدثها توقيع العثماني نتيجة مباشرة للفوارق الشاسعة و الغير المتقاطعة بين الخطاب الذي يحمله الحزب و واقع الممارسة السياسية، المفارقة حادة و غريبة ان تجلس و توقع مع من كنت تعتبرهم الشر المطلق و أصل كل الشرور،  و ان التطبيع معهم هو خراب حضاري.

التوقيع على الاتفاقيات هو قرار سيادي للدولة وهو امر يتجاوز الحزب و الحكومة ، لكن الازمة تنبع من حجم التناقض الذي يسود الخطاب السياسي للحزب حول تصوراته لليهود و الدولة الإسرائيلية.

ان كان تاريخ الحزب هو تاريخ أزمات ، وأن نجاحاته كانت مرتبطة بفعاليته في تدبير ازماته الخارجية ، فان الازمة الحالية تشكل الازمة الحقيقة الاكثر تعقيدا لأنها مرتبطة بجوهر الحزب و قناعاته ، من خلال سقوط الخطاب الأخلاقي و الديني الذي كان يحمله.

الحزب الان اصبح عاريا و مرئيا من طرف الجميع ، و مكشوفا للجميع ، ربما هذا جزء من لعبة السياسة المعقدة ، ان كل طرف يريد تعرية الطرف الاخر، والعمل على ازاحة مفاعيل الايديولوجية حتى تنكشف الحقيقة و تظهر عورات الخصوم.

ان يصبح الحزب عاريا ، يعني امكانية تعرضه لنزلة برد حادة ، ستؤثر على الجسد الحزبي كاملا ، مما يفرض فعلا علاجيا انيا ، يقتضي حوارا صريحا من أجل التغيير و التلاؤم مع الواقع الجديد ، فاسرائيل لم تعد عدوة ، وان الجهاد موجها نحو الاخر العدو ، مما يفرض تغيير وجهته نحو الداخل لإحداث التغيير الداخلي كشرط للبقاء في  رحاب السلطة.

رهان التغيير الداخلي ليس مجرد مطلب لكنه ضرورة امام حالة الانكشاف التي أصبح عليها الحزب،  هو اجراء قاسي و معقد يقتضي جراة الاعتراف بالتناقض الحاصل داخل الحزب بين الممارسة و الخطاب وهو ما يستدعي فصل الخطاب الأخلاقي و الديني عن الفعل السياسي و دعوة ائمة الحزب و الذين يعدون بالمئات ان يغيروا من طبيعة دعائهم على اعداء الامس اصدقاء اليوم.
++ الفرفار العياشي استاذ علم الاجتماع جامعة ابن زهر

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد