afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

شح التحفيز وتضخم العقوبات في النظام الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية

ذ.عبد السلام بوعسل

ذ.عبد السلام بوعسل
صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية عدد 7237 بتاريخ 23 ربيع الأول 1945 الموافق ل 9 أكتوبر 2023 المرسوم رقم 2.23.819 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، ويندرج هذا المرسوم في إطار تنفيذ أحكام القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وفي سياق تفعيل التوجهات الواردة في النموذج التنموي الجديد، الذي دعا إلى تحقيق نهضة تربوية حقيقية عبر الاستثمار في تكوين وتحفيز المدرسين قصد جعلهم الضامنين لنجاح تعلمات التلميذات والتلاميذ.

وقد آثار هذا المرسوم موجة عارمة من السخط والاحتجاج داخل الأوساط التعليمية، وخصوصا الأساتذة الممارسين داخل الأقسام، وهو ما حذى بالمنتمين منهم لإطار الثانوي التأهيلي، ومعهم باقي الفئات المنتمية للقطاع، إلى الدخول في إضراب وطني يوم 5 أكتوبر 2023، الذي يمثل اليوم العالمي للمدرس، وتوقيف الدراسة لمدة ساعتين وسط الفترتين الصباحية  والمسائية.

وقد يحصل بعض اللبس لدى القارئ بين القانون والمرسوم وخصوصا في الأوساط التعليمية، وهو ما يمكن  أن يكون مصدرا مهما لظهور بعض الخطابات الشاذة في الموضوع، فالقانون هو علم من العلوم الإنسانية، موضوعه الإنسان وسلوكه مع نظائره، أعماله وردود أفعاله، ولكي نتحدث عن قانون كنص تشريعي فلا بد أن يكون مشروعا يقدم أمام غرفتي البرلمان قصد التصويت ثم يعرض على الملك قصد المصادقة وينتهي بنشره في الجريدة الرسمية حتى يصبح ساري المفعول، أما المرسوم فهو تشريع يفسر القانون وهو أقل درجة منه، فهو خاص يعالج موضوعا معينا، وهو أنواع مثل المرسوم الملكي والمرسوم الملكي بمثابة قانون ومرسوم يصدر عن رئيس الحكومة في الأمور التنفيذية والتنظيمية ويوقع بالعطف من لدن الوزير أو الوزراء المكلفين بتنفيذ مقتضياته كالذي سبقت الإشارة إليه أعلاه، ثم تأتي في درجة أقل منه القرارات وتليها المذكرات.

وبالحديث عن المرسوم المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، فقد وجهت إليه مجموعة من الانتقادات من الباحثين والممارسين والمهنيين على السواء، وأثار جدلا واسعا تبعا للإشكاليات التي سيخلقها إبان سريانه، ومن ضمن ما يمكن نقده ودراسته في هذا الباب ما تعلق بالتعويضات والعقوبات، حيث إن المرسوم حمل في طياته فصلا كاملا محملا بالعقوبات في حين بين عن شح مبالغ فيه في ما تعلق بالتعويض أو التحفيز.

والحديث عن العلاقة التناسبية بين التعويض والتأديب يحيلنا إلى أصل فلسفة ”العصا والجزرة”  أو مبدأ ثواب – عقاب الذي هو تعبير مجازي لاستخدام خليط من الثواب والعقاب للحث على السلوك المرغوب في السياسة، وتشير عبارة «العصا أو الجزرة» أحيانًا إلى المفهوم الواقعي للقوة الناعمة والقوة الصلبة، وقد لقيت هذه الفلسفة تطبيقات عدة مثل ما وقع في  السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب نفسها، حيث طبق جوزيف ستالين مبدأ «الجزرة أو العصا» بين دول منطقة النفوذ السوفيتي من أجل إحكام السيطرة عليها، وقد تم إدخالها إلى المقاولة قصد التعبير بها عن مفهومي التحفيز والعقاب وخصوصا من طرف بعض المقاولين وفلاسفة المقاولة مثل ماكجريجور وفورد وتايلور، وذلك قصد دفع العمال إلى تحقيق المردودية المرتفعة

لهذا يمكن حصر الدراسة هاته في الإشكالية المرتبطة بجوهر القاعدة العامة لقاعدة العصا والجزرة  وصياغتها على الشكل التالي: ما مدى تناسب العقاب بالتحفيز المضمنين في المرسوم؟

ولتحليل هذه الإشكالية ارتأيت توزيعها إلى أسئلة فرعية من قبيل: ما هي المنطلقات الفكرية والتشريعية للعقوبات في المرسوم؟ وما هي الأهداف المعلنة والخفية لمنظومة تلك العقوبات؟ ولماذا تغيير هندسة القانون من أجل تضمينه عقوبات؟ وما علاقة العقوبات في المرسوم الجديد بالقانون وباقي المراسيم الخاصة المنظمة لمهن أخرى؟

وإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من أسئلة أخرى تحليلا للإشكالية الأساسية للدراسة سوف أقسم الموضوع إلى محورين اثنين، أولهما يعرض للنظام القانوني للعقوبات في المرسوم الجديد؟ وثانيهما آثار العقوبات على موظفي قطاع التربية الوطنية وكذا على المتعلمين.

وحيث أن هندسة الموضوع لا تحتمل الإجابة عن الأسئلة الفرعية في محاور منفردة بكل سؤال فإني ارتأيت الإجابة عنها في المتن وكلما أتيحت الفرصة لذلك.

المحور الأول: العقوبات في النظام الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية

جاءت العقوبات في الباب التاسع المعنون بباب العقوبات وبالضبط الفصل 64 من النظام الأساسي، حيث بلغت ما مجموعه 17 عقوبة وزعت هذه العقوبات على أربع درجات، عقوبتان من الدرجة الأولى و6 عقوبات من الدرجة الثانية، و6 أخرى من الدرجة الثالثة، و3 عقوبات من الدرجة الرابعة.

كل هذه العقوبات جاءت مع غياب تام لتحديد المخالفات التي على إثرها تطبيق تلك العقوبات لا على سبيل المثال ولا على سبيل الحصر، وهو ما يجعل من هذه العقوبات مجرد شكل من أشكال تأثيث المرسوم.

والملاحظ أن هذه العقوبات تعرف تضخما واضحا، منها ما هو متضمن أصلا في النظام الأساسي للوظيفة العمومية الذي يعتبر النظام العام المنظم للوظيفة العمومية  كأصل للانطلاق في هذا المرسوم، ومؤطرا للقواعد المضمنة فيه، والمعروف أن النظام الخاص يفسر فقط النظام العام ويقيده، وبالتالي فإن هذه العقوبات منها ما هو خروج عن النظام العام وخلق لقواعد قانونية جديدة مثل الاقتطاع من الأجر والحرمان من الحركة الانتقالية والتي لم تكن موجودة كقواعد قانونية ضمن النظام العام.

وبملاحظة بسيطة للنظام الأساسي للتعليم العالي، الذي صدر في 2 غشت 2023،  لم يضمن بابا أو حتى فصلا للعقوبات في حين جاء في المادة 22 منه بتعويضات مهمة، أضف إلى ذلك النظام الأساسي لهيئة الممرضين وتقنيي الصحة، والنظام الأساسي لهيئة الأطباء والجراحين والإحيائيين والصيادلة وجراحي الأسنان بالمستشفيات، والنظام الأساسي الخاص بهيئة الممرضين بوزارة الصحة، والنظام الأساسي الخاص بموظفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والنظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط، والنظام الأساسي الخاص بالمهندسين والمهندسين المعماريين، والنظام الأساسي الخاص بموظفي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

كل هذه الأنظمة الخاصة وغيرها يلاحظ من خلال استقراء بسيط لها أنها حملت في فصولها نظاما للتحفيز سواء تعلق الأمر بزيادة في الأجور أو رفع في التعويضات، كذلك لم تفرد ولا بابا أبوابها ولا حتى فصلا من فصولها للعقوبات، وهي بهذا أحالت في العقوبات على النظام العام المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية.

إلا أن النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية حاد عن هذه القاعدة وحمل في متنه بابا كاملا خصص للعقوبات دون الخوض في التعويضات على الأقل في ما يتعلق بالأساتذة الذي يعتبرون في جميع الأنظمة التعليمية هم القاطرة الأساسية للقيام بأية نهضة في التعليم بجميع أسلاكه، وهم أحد الركائز الأساسية الثلاث للعملية التعليمية-التعلمية إضافة إلى التلميذ والمحتوى، فالأستاذ هو العنصر الأساسي من عناصر العملية التربويـة، فهو الأكفأ والأقـدر على نقل المعـارف، وترسيخ الأعراف والعادات والتقاليد في نفوس الناشئة .

مما لا شك فيه أن واضعي النظام يعلمون علم اليقين أن النظام الخاص دوره يتجلى في تفسير ما ورد في النظام العام واتخاذ اجراءات لها طابع الخصوصية، وأن القاعدة الخاصة تقيد القاعدة العامة، وبالتالي فإن العقوبات الواردة في النظام الخاص هي الأولى بالتطبيق.

وهذا ما يجعل من النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية نظاما منفردا في هندسته، متميزا في تحميله بالعقوبات وقاصرا في إقرار الزيادة في الأجور أو على الأقل الرفع من التعويضات، وذلك مقارنة مع باقي الأنظمة الأساسية الخاصة بقطاعات أخرى.

فالتعويضات في المرسوم وعلى قلتها وشحها همت جميع الفئات من مديرين ومفتشين وأساتذة مبرزين وحراس عامين وأطر الدعم التربوي والإداري وأطر التخطيط وغيرها من الفئات، كما تم فتح الباب أمام أساتذة الابتدائي والإعدادي للترقي إلى الدرجة الممتازة، إلا فئة واحدة لم يتم الالتفات إلى مطالبها بتاتا وهي فئة الثانوي التأهيلي.

وعلى الرغم من هذه الزيادة في التعويضات وكذا الترقي إلى الدرجة الممتازة، إلا أنها تبقى ضعيفة وغير معتبرة نظرا لقيمتها المالية وأثرها على الدخل وبالتالي على القدرة الشرائية وعلى مستوى العيش الذي عرف ارتفاعا  صاروخيا، أما الترقية الموعود بها وتبعا للمسطرة المخصصة لها تبقى حلما بعيد المنال ولن يناله إلا المقبلين على التقاعد، وبالتالي فهي غير ذات نفع على الممارسين والمشتغلين بالقطاع.

المحور الثاني: آثار النظام الأساسي الخاص بقطاع التربية الوطنية

قبل الخوض في أثر التشريع الجديد على المنظومة التعليمية لابد من الإشارة إلى أن القائمين على الشأن التعليمي ببلادنا ترسخت لديهم فكرة أساسية مفادها أن التلميذ لا يمكن أن يتعلم في بيئة يسودها العنف بجميع أنواعه، ويسودها الإكراه، بل لا بد من التحفيز وخلق بيئة نشيطة يسودها التآخي والتعاون و التسامح، وآمن الجميع بأن العنف لا ينتج التعلمات بتاتا، وهو ما أدى إلى تجريم العنف وبالتالي منعه نهائيا داخل المؤسسات التعليمية، فأصبح العقاب ممنوعا منعا كليا داخل الفضاءات التربوية.

وواضعي النظام الأساسي غابت عن أذهانهم هذه المبادئ نهائيا، واتجهوا نحو إقرار نظام للعقوبات وأفردوا له بابا كاملا في هندسة المرسوم، وحيث إن التلميذ مبعد نهائيا عن ممارسة العقاب أو العنف بصفة عامة، فكيف يمكن تقبل إحاطة الأستاذ بسبعة عشر عقوبة ويطلب منه ممارسة مهمة التدريس وتحقيق المردودية والرقي بالتلميذ المغربي إلى مستوى التلاميذ في باقي دول العالم.

والمدرس المحكوم بهاجس العقوبة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقدم للتلميذ كل ما لديه، ولا يمكن أن يسخر كل امكانياته الفكرية والعلمية والمهارية في سبيل تحقيق مردودية أحد أطرافها تلميذ تغلب عليه مظاهر الفقر والهشاشة والتهميش، سواء في الأحياء الهامشية أو العالم القروي، وهو ما يجعل المدرس الفاعل الوحيد والأوحد في مواجهة صعوبات التمدرس ومظاهر التسرب الدراسي والهدر والتعثرات بصفة عامة، فيصبح هو المعول عليه في تحقيق أهداف العملية التعليمية-التعلمية وبالتالي تنزيل الإصلاحات المنظر لها على أعلى المستويات.

والمنطق الفلسفي والقانوني يقتضي أن تتناسب العقوبات ونظام التحفيز، وبالتالي كان من المفروض مع توسيع العقوبات الرفع من قيمة التعويضات، اعتبارا لأن العقوبة لا يمكن توقيعها إلا بعد استيفاء مساطر التحفيز، بمعنى تقديم التحفيز على العقاب.

والمتمعن في النظام الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية يخلص إلى نتيجة مفادها أن واضعي المرسوم لا ينظرون بعين الاقتناع إلى الأستاذ الذي يقوم بتدريس أبناء الشعب، حيث ظلت، خلال وضع النصوص، تحكمهم المقاربة العقابية طيلة الأشواط التي قطعها المرسوم ذاته، ومن مظاهر ذلك نقل العقوبات من قانون قائم بذاته إلى مرسوم، وخلق إجراءات عقابية جديدة تم تفريغها في قواعد لم يكن لها وجود بين قواعد النظام العام، حيث انتقل مجموع القواعد إلى سبعة عشر عقوبة، بمعنى إضافة عقوبات غير منصوص عليها في قانون الوظيفة العمومية الذي أحالت عليه جميع الأنظمة الأساسية الأخرى، مما يميط اللثام عن تضخم مهول في الجانب العقابي، وعن تجاوز واضح لاختصاصات المرسوم.

وهاجس العقاب في المرسوم وارد في النصوص أولا من ناحية الإصرار على تضمين العقوبات في النظام الأساسي، وثانيا من حيث توسيع قراءة الفصلين 64 و65 من النظام الأساسي إلى إنتاج وتشريع ووضع قواعد قانونية.

وبغض النظرعن إشكالية العقوبات وأثرها على الوضعية النفسية للمدرس، وكذا على المتعلمين، فإن المرسوم خلق مجموعات من الإشكاليات من قبيل تحديد ساعات العمل، وتحديد المهام المنوطة بالمدرسين، وإلزامية تنشيط الحياة المدرسية، وإلزامية تلقي التكوينات وغيرها الكثير.

وخلاصة القول أن الاعتبارات والسياقات التي أنتجت المرسوم والإشكاليات التي خلقها المرسوم ذاته تجعله معرض للطعن على الأقل فيما يخص العقوبات، أظف إلى ذلك أن مجموعة من النصوص التي جاء بها المرسوم سوف تصبح متجاوزة بحكم الواقع رغم إسباغها بصفة الإلزام، إضافة إلى أن مجموعة أخرى من النصوص ستتعطل نهائيا شأنها فذلك شأن نصوص كثيرة وردت في قوانين ومدونات عديدة.

وقد كان من المفروض في واضعي المرسوم أن يتفطنوا إلى النقط التالية:

1- عدم تحميل المرسوم بالعقوبات والإحالة بشأنها على القواعد العامة المتمثلة في النظام الأساسي للوظيفة العمومية شأن باقي الأنظمة الأخرى المشار إليها في المتن أعلاه.

2- عدم تحميل المرسوم بنظام للتعويضات وأرجاؤها إلى قرار لاحق تصدره السلطة الحكومية صاحبة الاختصاص.

3- في الحالة التي صدر عليها المرسوم كان المفروض تعميم التعويضات والرفع من قيمتها قصد تحقيق التنافسية وإذكاء روح العمل الجدي والمسؤول وصولا إلى العمل التطوعي بين الشغيلة.

4- تحديد المهام الخاصة بكل فئة ونبيان حدودها قصد تسهيل ربطها بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.

5- خلق درجة جديدة قصد الحفاظ على مبدأ التدرج المهني وإنصاف فئة الثانوي التأهيلي أسوة بباقي الفئات التي فتح الباب أمامها  للترقي إلى خارج السلم، وفسح المجال أمام حاملي الشهادات قصد التنافس بأن تغيير الإطار نحو سلك جاذب.

6- فسح المجال للشغيلة قصد التفاعل مع مشروع المرسوم وتخصيص الوقت الكافي لإعادته إلى الحوار وتنقيحه بصيغة تشاركية، وعدم التسريع بتنزيله وصدوره بالجريدة الرسمية بسرعية قياسية على الأقل لشهرين أو ثلاثة أشهر حتى تتحمل الشغيلة مسؤوليتها في إنتاجه وبالتالي الاطمئنان والركون إلى مقتضياته.

هذه فقط بعض الملاحظات من بين مثيلاتها الكثيرة التي جاءت نتيجة لعملية الدراسة والنقد والتحليل التي قام بها الأساتذة والمحللون وأساتذة القانون وغيرهم.

ذ.عبد السلام بوعسل

أستاذ الاقتصاد بالثانوي التأهيلي بتطوان

وباحث في القانون الخاص بصف الدكتوراه بكلية الحقوق ابن زهر بأكادير

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد