afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

لقد كنت خائفة…

ليلى البصري

ليلى البصري
بدأ السيد أحمد يدعو إلى الله منذ كان في العشرينات من عمره، سافر كثيراً و ارتحل كثيرًا، واضعاً نُصْبَ عينيه هدفاً قيماً: إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله… كان ميسوراً، طيباً، وقوراً، يوحي بالثقة… قضى أكثر من خمسة عقود يجاهد بنفسه و وقته و ماله في سبيل الدعوة إلى الله و أسلم على يده الكثيرون، من أجناس و فئات عمرية مختلفة.
تعرف إلى كارل، خلال واحدة من رحلاته إلى أمريكا، و التي كانت من أجل متابعة بناء مسجد قام بتأسيسه في ولاية كنتاكي… كان كارل شاباً أمريكياً في العقد الثالث من العمر، ينتمي إلى أسرة كاثوليكية محافظة، و يعمل في هندسة الحاسوب، عرف الإسلام من خلال سلوكيات السيد أحمد، ثم بدأ ينشرح صدره لهذا الدين من خلال محاضراته التي كان يصر على متابعتها باهتمام بالغ و يظل يفكر فيها حتى في بيته، ثم قرر، بعد أن اقتنع، أن يعتنق الإسلام.
تغير اسم كارل إلى عبد الله بعد إسلامه، و قرر السيد أحمد أن يصطحبه معه إلى جدة ليعلمه تعاليم الدين الإسلامي في بيئة إسلامية و محيط إسلامي نقي بعيداً عن جو أمريكا الملوث… كان يجمع بينهما حب من نوع خاص: كان عبد الله يرى في السيد أحمد الوالد و القدوة و المنارة، بينما وجد السيد أحمد في عبد الله الولد الذي لم يُرزق به من نسله، فقد كان أباً لخمسة من البنات، تزوجن كلهن ما عدا الصغرى، و لم يرزقه الله بوريث ذكر يحمل اسمه بعد وفاته.
تعلم عبد الله الكثير عن الإسلام، لكنه لم يكتف، فقرر الاستقرار في السعودية، و طلب من السيد أحمد أن يبحث له عن زوجة صالحة تكون له رفيقة درب… فكر أن يزوجه صغرى بناته، فعبد الله ذو خُلُقٍ و دين، و هو حتماً سيكون لها نعم الزوج…
قبلت مهرة بالغريب عبد الله زوجاً لها على سنة الله و رسوله، لم تُعِر اهتماماً لشكله أكثر من جوهره، فعيناه الزرقاوان و بشرته الباهتة، و شعره الأشقر… مواصفات لا تجعل منه فتى أحلام أي خليجية؛ هن يفضلن الرجل العربي الأصيل بكل ما يحمله من ملامح… و بلا منازع.
لكن مهرة، نبتة أينعت و أزهرت في بيت يعرف الله و يدعو إليه… تشبعت من مشكاة أبيها و سارت على هداه، و لم تلتفت الى هذه الشكليات، بل قررت أن تثبت لهذا الشاب أن ثقته التي وضعها فيهم كانت في محلها، و عاهدت الله على أن تكون له نعم الزوجة…
بدأ عبد الله يساعد السيد أحمد في أعماله و كذلك في الدعوة إلى الله٠ كان كظله يتبعه أينما حل و ارتحل… صار له الابن البار الذي طالما دعا الله أن يرزقه إياه… و في المقابل، كان السيد أحمد يعزه و يثق به أكثر من أي أحد آخر…
مرت الأيام، و حملت مهرة بأول مولود لهما، كانت سعيدة جداً بهذا الحمل، و تدعو الله أن يرزقها الذرية الصالحة.
قضت معظم شهور حملها تتبضع و تجهز لقدوم هذا الطفل الذي، حتماً، سيضفي على سعادتهما نكهة من نوع آخر. فزوجها رجل ثقي، يحبها كثيراً، و يهتم لأمرها و لا يوفر جهداً من أجل إسعادها و إدخال السرور إلى قلبها…
اقترب موعد ولادتها الذي تزامن مع موسم الحج، و كان لابد لعبد الله أن يرافق السيد أحمد، ليحج بيت الله أولاً، و يساعده على خدمة حجاج الحملة التي ينظمها كل سنة على نفقته الخاصة و يكرس نفسه لخدمتها… كانت تود أن يكون زوجها إلى جانبها لحظة الولادة، لكن شعائر الله أولى و أسبق… و الخيرة في ما يختاره الله.
بعد حوالي أسبوعين من رحيل زوجها و أبيها، أحست مهرة بآلام الوضع، فاتصلت بوالدتها التي بادرت إلى أخذها إلى المستشفى.
كانت الآلام أشد من ضرب السيف المتكرر، كانت تصرخ و تستنجد بالله، و كانت أمها إلى جانبها، تمسك بيدها، تشجعها تارة، و تنهار باكية تارة أخرى، و حين يزداد أنين مهرة، تتضرع إلى الله بقلب الأم المنفطر على فلذة كبدها…
بعد عناء دام يوماً كاملا، أنجبت مهرة مولوداً ذكراً، فنامت نوماً عميقاً و كأنها لم تذق طعم النوم من قبل.
حين استيقظت، لم تجد أمها إلى جانبها، و حين سألت عنها قيل لها أنها غادرت إلى البيت كي تغتسل و تبدل ملابسها ثم تعود.
و سألت عن وليدها و طلبت من إحدى الممرضات أن تأتيها به كي تراه و ترضعه، و ما هي إلا دقائق حتى عادت الممرضة تحمل بين يديها طفلاً ملفوفا بملائة من القطن البنفسجي كانت قد اشترتها بمعية زوجها لاستقبال هذا الوليد المبارك.
ما كادت تستقر عينها على الوليد حتى صرخت في وجه الممرضة:
– هذا ليس ابني، هلّا تأكدت قبل أن تحضريه إلي؟ أرجعيه إلى أمه قبل أن تلاحظ غيابه، و أحضري لي ابني!!!!!
نظرت إليها الممرضة في استغراب:
– بلا سيدتي، هذا ابنك…
– هل أنتِ عمياء، مستحيل أن يكون هذا ابني!!! أرجوك أحضري لي ابني و إلا سأشتكيك إلى إدارة المستشفى!!!!
بدأ صوتها يعلو و أعصابها تتشنج حين وصلت والدتها، احتضنتها و حاولت أن تهدأ من روعها، لكن دون جدوى:
– لماذا تتصرف معي هذه الممرضة على هذا النحو؟ انظري يا أمي إلى هذا الوليد، أيعقل أن يكون ابني؟ إنه…
لم تدعها أمها تكمل جملتها حتى بادرتها:
– أسود، أعلم ذلك، فقد كنت معك وقت ولادتك لحظة بلحظة، و لم أتركك إلا بعد أن اطمأننت على سلامتك و سلامة الوليد.
نعم انه ابنك.
– ماذا تقولين يا أمي؟ زوجي أشقر، و أنا بيضاء، من أين جاء هذا الولد، بالتأكيد هناك لبس!!!!!!
لم تفلح محاولات الأم في تهدئة مهرة التي راحت تصرخ و تضرب وجهها بكفي يديها في هيستيريا واضحة:
– يا ويلتاه… كيف يعقل هذا؟ ماذا سأقول لعبد الله، الرجل الطيب الذي وثق بنا و أمّننا على نطفته؟؟؟؟… ماذا سيقول عنا، سيظن حتماً أنني خنته مع سائق والدي النيجيري… يا ويلتاه…
كان عبد الله يتصل بحماته كلما سمحت له الفرصة ليطمئن على مهرة لما علم بانتقالها الى المستشفى، كان فرحاً جداً بمولوده الذكر، و قرر أن يسميه على اسم صهره: أحمد.
لم تخبره مهرة بشيء و كأن لجاماً قد ألجم فاها و رفضت أن ترضع الطفل أو حتى أن تمسكه بين ذراعيها، و أقفلت عليها باب حجرتها و استغرغت في بكاء و حزن شديد، بينما تولت والدتها رعاية الطفل بالكامل.
كانت قليلة الأكل، كثيرة البكاء و التضرع إلى الله أن يجد لها حلّاً لمشكلتها التي ستعصف لا محالة بهدوء و استقرار حياتها، كان كلما دنى موعد عودة الحجيج، كلما زاد خوفها و حزنها إلى أن شارفت على الهلاك.
و جاء اليوم الموعود، يوم عودة عبد الله حاجاّ… قررت أن تفوض أمرها إلى الله، هو وحده القادر على حل هذه المصيبة التي لم تكن في الحسبان، و ما دامت لم تجني ذنباً أو ترتكب خطيئة تحاسب عليها، فإن الله حتما سيجعل لها بعد عسرٍ يسراً…
وصل الحاجان و كلهما شوق لرؤية المولود الجديد، و أمه التي لم تكن صحتها على ما يرام، و بسرعة المشتاق، ركض كل منهما، كطفلين، يتسابقان إلى غرفة الأم و الوليد… فتح السيد أحمد باب حجرة مهرة بعد أن دقه و استأذن.
كانت شاحبة، مستلقاة على سريرها كالشبح… سارع إليها عبد الله ليطمئن على صحتها قبل أن يستدير ناحية السرير الصغير، المتواجد قرب شرفة الحجرة باحثا عن ولي عهده… و ما كاد يزيح الغطاء عنه ليحمله، حتى كبر بأعلى صوته، و هو يحمل هذه الكثلة السوداء المغلفة بالقليل من القماش بين يديه:
– الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر… ثم تهلل وجهه و هو يضيف:
انظروا إلى هذه اللؤلؤة السوداء…
سبحان الله، إنه جد أبي، والد والده. كان أمريكياً من أصول إفريقية، و صدق رسول الله ﷺ حين قال أن العرق دساس.
و طفق يحضن الطفل و يقبله و يحمد الله على هذه الهدية القيمة.
جلس إلى جوار زوجته التي كانت في ذهول تام، قبل رأسها و حمد الله على سلامتها، و وعدها بأن يكون له نعم الأب… حينها مدت يداً مرتجفة نحو الملاك الطاهر لتحمله بين ذراعيها لأول مرة منذ ولد؛ و لتشعر لأول مرة بدفئ الأمومة يسري في عروقها… ضمته إليها و أخذت نفساً عميقاً و هي تشتم رائحته الملائكية، أحست به يستكين في حضنها و كأنه يتعرف على دقات قلبها… وضعت قبلة على خده الغض و هي تهمس في نفسها: أرجوك سامحني يا ملاكي الصغير، لقد كنت خائفة…

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد