قطاع الصحة بين وعود الوزارة وصبر الشغيلة: اتفاقات مؤجلة ونقابات تُلوّح بالتصعيد

هبة زووم – الرباط
عقد التنسيق النقابي الوطني بقطاع الصحة، يوم الأربعاء 28 يناير 2026، اجتماعًا جديدًا مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في محطة وُصفت بأنها اختبار حقيقي لمدى جدية الحكومة في تنزيل التزاماتها العالقة، وعلى رأسها ما تبقى من اتفاق 23 يوليوز 2024، الذي ظل إلى حدود الساعة حبيس الجداول والعروض التقنية أكثر من كونه واقعًا ملموسًا داخل المؤسسات الصحية.
الاجتماع، الذي جاء تنفيذًا لتعهدات سابقة لوزير الصحة خلال لقاء 21 يناير، كشف من جديد عن فجوة مقلقة بين الخطاب الرسمي وسرعة الإنجاز، إذ قدّمت الوزارة عرضًا رقمياً حول مستوى تنفيذ الاتفاق، أقرّ ضمنيًا بأن عددًا غير يسير من النقاط ما يزال في طور الإنجاز أو المناقشة، رغم الطابع الاستعجالي الذي تفرضه الأوضاع الاجتماعية والمهنية للشغيلة الصحية.
فعلى مستوى النقاط ذات الأثر المالي، أعلنت الوزارة إنجاز عشر نقاط فقط، مقابل أربع في طور التنفيذ وثلاث أخرى لا تزال عالقة بين مكاتب القطاعات المتدخلة، في مشهد يعكس استمرار منطق تشتيت المسؤولية وتبادل الاختصاصات. أما النقاط ذات الأثر الاعتباري، فرغم التقدم النسبي المسجل، فإن عدداً منها لم يرَ النور بعد، ما يغذي حالة الاحتقان داخل القطاع.
ورغم الاتفاق على عقد اجتماع مرتقب يوم 3 فبراير لمناقشة مشروع مرسوم الحركة الانتقالية، والإصدار “القريب” لمراسيم التعويض عن البرامج الصحية والجزء المتغير من الأجر، وتعويض العمل بالمناطق الصعبة، إلا أن الشغيلة الصحية باتت تتعامل بحذر مع لغة “القرب” و“البرمجة”، بعد تجارب سابقة حولت المواعيد إلى آجال مفتوحة بلا سقف زمني واضح.
وفي ما يخص إصلاح المنظومة الصحية، خاصة الشق المتعلق بتثمين الموارد البشرية، اكتفت الوزارة بسرد النصوص التنظيمية الصادرة وتلك التي لا تزال في طور الإعداد، دون تقديم أجندة دقيقة تُبدد مخاوف الأطر الصحية من استمرار الإصلاح في صيغته النظرية، بعيدًا عن الأثر الفعلي داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
أما بخصوص المجموعة الصحية الترابية النموذجية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، فقد تحوّل النقاش إلى محاكمة حقيقية للتدبير المرتجل، حيث أثار التنسيق النقابي جملة من الاختلالات المالية والإدارية التي تمس الموظفين بشكل مباشر، من مشاكل الانخراط في CNOPS والتغطية التكميلية والتقاعد، إلى عراقيل القروض وتغيير رمز التقيد الميزانياتي، وهي أعطاب تُجسد ارتباك الانتقال إلى هذا النموذج الجديد دون توفير شروطه الإدارية والمالية.
وسجل التنسيق رفضه القاطع لتعويض اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء بلجنة ثلاثية مكونة من الإدارة فقط، معتبراً ذلك ضربًا لأسس المحاكمة الإدارية العادلة، خاصة في الملفات التأديبية والترقيات، ومقترحًا اللجوء إلى قرار استثنائي من رئيس الحكومة يسمح باستمرار اللجان المنتخبة إلى غاية انتخابات 2027.
ورغم تعهد الوزارة بتصفية المستحقات المتأخرة وصرف التعويضات العالقة قبل نهاية أبريل، بما فيها تعويضات الملحقين العلميين بأثر رجعي، فإن التنسيق النقابي شدد، ضمنيًا، على أن الصبر بلغ حدوده القصوى، وأن أي تأخير إضافي قد يعيد القطاع إلى مربع الاحتجاج والتصعيد.
هكذا، يخرج هذا الاجتماع برسائل واضحة: النقابات ترفع منسوب الضغط، والوزارة مطالبة بالانتقال من منطق التدبير التقني البطيء إلى قرارات سياسية شجاعة، لأن كلفة التأخير لم تعد تُقاس بالأرقام، بل باستنزاف الثقة واحتقان الشغيلة الصحية داخل منظومة تعيش أصلاً على وقع الهشاشة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد