صريعة الذئاب

ليلى البصري

حينما تعود بي الذاكرة الى الوراء… و تجبرني على العبث في رمادها الحامي… تؤلمني شرايين قلبي المهترئة و أتمنى لو انني أستطيع مسح ذاكرتي، كما يُفعل بالحاسوب، كي أرتاح… فهي فعلا في حاجة الى ذلك… و ليست ذاكرتي وحدها التي تحتاج الى مسح!!!

سأشارككم بعضاً من أريج رمادها و اترك لكم الحكم: هل فعلاً تحتاج الى مسح؟؟؟

كانت في عنفوانها، جميلة، مليئة بالحيوية… تتوق الى غدٍ أفضل… هجّرها قانون الجور و الظلم، ذلك الذي يقسم الناس في البيئة الواحدة الى سادة وعبيد:

عبيد تكد و سادة تجني… أتت تحمل احلاماً ثقيلة… و هماً أثقل علّ المهجر يعوضها بعضا مما حرمها منه السادة في بلادها… كانت راضية بعملها البسيط كعاملة في صالون حلاقة و كانت سعيدة لمشاركتها اختها المتزوجة السكن.

 

محجبة، تمشي بما يرضي الله… و كانت فعلا نموذجاً مشرفاً للفتاة المغربية الكادحة.

رآها صدفة و هي تنتظر سيارة أجرة لتقلها الى بيت اختها بعد دوامها المتعب، عرض عليها أن يوصلها الى وجهتها، رفضت بشدة و تركته في سيارته الفارهة لتستقل سيارة أجرة.

صار ينتظرها كل يوم علّه يستطيع الوصول اليها، و كانت دائماً تنهره… فعلم ان لا سبيل للوصول إليها الا عبر الباب، و قرر أن يطرقه…

كانت لديه خليلة، متزوجة و لديها أسرة كما لديها كل ما يمكن ان تحلم به امرأة… لكن النفس البشرية قليلا ما تسمو فوق نوازع الهوى و الشهوة.

كانت تحبه بجنون و كان يعتبرها مجرد أداة تسلية و تفريغ… حسم أمره و اخبرها بأنه قرر ان يتزوج و يكون أسرة و ان يكون زوجا مخلصا و انه سيقطع علاقته بها لانه يريد فعلاً أن يستقر… و قع الخبر عليها كالصاعقة… استدرجته حتى عرفت هوية العروس و مقر عملها.

طار عقلها الفارغ لمجرد معرفتها بأن غريمتها مغربية فقررت الانتقام… و بما أن قانون المنتقمين يقضي بأن الانتقام وجبة تؤكل باردة، لم تُرعد و لم تُبرق، بل خططت في هدوء و نفذت خطتها الشيطانية.
قصدت الصالون الذي تعمل فيه الفتاة و بدهاء الأنثى المطعونة في كرامتها تقربت منها حتى صارت بينهما صداقة عميقة في وقت وجيز… بعد بضع زيارات عرضت عليها ان ترافقها يوم اجازتها الى البر حيث مزرعتها كي تتعرف على أسرتها…و كان لها ذلك.

رافقتها الفتاة يوم اجازتها الى البر حيث وجدت في انتظارها عددا من السيارات بداخلها ذئاب بشرية تجردت من قلوبها الرحمة… تناوبوا على اغتصابها بلا شفقة حتى حل الظلام، دنسوا جسدها الطاهر بعدما نهشوه ثم صبوا عليه ما تيسر من البنزين وأضرموا فيه النيران ليواروه بعد ذلك رمل البر ظناً منهم ان الفتاة قد فارقت الحياة ثم غادروا بعد ان أدوا فروض الولاء و الطاعة لمن قدم لهم هذا الكبش و وزهم على فعلتهم تلك التي كان الله بجلالة قدره شاهدا على فصولها.
شاءت العناية الإلهية ان تظل الفتاة على قيد الحياة برغم تفحم ظاهرها و نضج اغلب باطنها.

أراد ربك ان تستعيد الفتاة وعيها و تزيح عنها بما تبقى فيها من رمق ما أسدلوه عليها من رمال و تزحف الى الطريق المعبد حيث وجدها احد رواد الطريق فأبلغ عنها السلطات المختصة التي سارعت الى نقلها الى المستشفى المركزي آنذاك في أبوظبي حيث أدلت بأقوالها للشرطة التي باشرت عملها بحثا عن الجناة.
ماتت الفتاة في اليوم الثالث لتموت معها القضية، لانه كما في بلادي و سائر بلاد العرب و المسلمين، هناك دائماً من هم فوق المساءلة و القانون ( نظراً لاختلال موازين العدالة امام سيادة جنس معين و رفعه على بقية الأجناس دون مبرر ) و هؤلاء عادة ينعمون بكل شيء و يكون من حقهم الحصول على اي شيء و فعل اي شيء… في مقابل هؤلاء تجد دائماً في بلادي و سائر بلاد العرب و المسلمين، فئة لا بد ان تجبر على دفع الفواتير دون اعتراض او تدمر… حتى لو كلفته حياته.
و للحديث بقية

ليلى البصري 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد