هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في الرشيدية، لا تُصنَع الأقنعة في الخفاء، بل تُعرض في العلن، وتُسوَّق بمهارة تفوق مهارة صناعة الخبز. هنا، تُؤجَّر الابتسامات، وتُقايَض القيم، وتُباع المجاملات على أرصفة الطمع بثمنٍ أغلى من الذهب، والصدق يبدو غريبًا، كفضيحة تمشي على قدمين وسط سوقٍ يتقن الكذب أكثر مما يتقن الاعتراف.
في هذه المدينة، الضحكات مستأجرة بالساعة، والهمسات ملوّثة كهواء المصانع، والزيف يلتف حول الأرصفة كما يلتف الدخان حول نار رخيصة. الناس يجرون خلف المصالح بلهفة كلابٍ جائعة، يتدافعون على فتات المنافع، ثم يدوسون، بلا تردد، على الجمال الحقيقي حين يعترض طريقهم.
الأنانية ترقص في الشوارع بلا خجل، والانتهازية تتصبب عرقًا من فرط الرقص، والنفاق يتسلل إلى كل يدٍ تصافحك ببرودٍ يشبه ريحًا مسمومة، كل شيء هنا قابل للبيع، حتى الصمت… حتى القلوب.
وسط هذا المشهد، يسير رجلٌ بصمت. لا يستعير قناعًا من السوق السوداء، ولا يطلب إذنًا من العالم ليكون نفسه. يبدو كالمجنون في نظر الجموع، لكنه في الحقيقة الأكثر اتزانًا.
يرى في ضحكة طفلٍ عابر معجزةً أكبر من خطب السياسيين، وفي شمس الصباح وعدًا أصدق من وعود الانتخابات، وفي قطرات المطر رسالة سخرية من السماء تقول: ها أنا هنا، وأنتم ما زلتم تتنازعون على الأقنعة.
يهمس لنفسه: دعهم ينامون في أحضان المظاهر، دعهم يتاجرون في سوق القلوب، أما قلبي فلن ينام. لن أختزل الحب في بطاقة بنكية، ولن أساوم على فرحتي كما يساومون على دمعة طفل أو خبزة فقير.
يمضي في طريقه، يبتسم بسخرية مرة، وفي عينيه بريق يشبه نكتة حزينة تُروى على مائدة مكتظة بالمتصنعين. وبين الوجوه المتكدسة، يلتقط لحظات نادرة تشبه الذهب الخالص: امرأة تضم طفلها بصدق لا يعرف التزييف، رجل يمد يده لمن سقط دون أن ينتظر عدسة كاميرا، وضَحِكة طفل لم يصبه وباء النفاق بعد.
هذه التفاصيل الصغيرة تصبح عنده أثمن من كل الأقنعة المعروضة في السوق، وفي المساء، حين ترتدي الرشيدية ثوبها الموشّى بأضواء النيون، نجومٍ مزيفة معلّقة بخيوط الكهرباء، يجلس على الرصيف، يُغمض عينيه، ويصغي لدقات قلبه وهي تتحدى ضجيج الأكاذيب.
يبتسم أخيرًا، كمن انتصر بصمت، ويقول: لقد أحببت… لقد عشت… وهذا يكفيني، فليغرق العالم في أقنعته، أما أنا، فسأبقى وردةً بريّة تنمو في حقلٍ من البلاستيك.
تعليقات الزوار