بنعليلو يفجرها: اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد لم تجتمع سوى مرتين خلال تسع سنوات ويحمل المسؤولية للحكومة

هبة زووم – الرباط
في وقت تتعالى فيه الشعارات الرسمية حول تخليق الحياة العامة وتعزيز النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فجّر محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، معطيات تطرح أسئلة محرجة بشأن جدية التنسيق الحكومي وفعالية الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، بعدما كشف أن اللجنة الوطنية المكلفة بهذا الملف لم تعقد سوى اجتماعين منذ إحداثها سنة 2017، رغم أن المرسوم المنظم لها ينص على عقد اجتماعين على الأقل سنوياً.
المعطى الذي كشف عنه بنعليلو، خلال ندوة صحفية بالرباط خُصصت لتقديم التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، لا يتعلق بمجرد تعثر في عقد الاجتماعات، بل يضع آليات تتبع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد أمام اختبار حقيقي، بالنظر إلى أن اللجنة أُحدثت لتنسيق الجهود الحكومية، وتتبع تنفيذ البرامج، واقتراح التدابير الكفيلة بتعزيز النزاهة والشفافية.
وبحسب المعطيات المقدمة، انعقد الاجتماعان خلال فترة حكومة سعد الدين العثماني، بينما لم تُعقد اجتماعات للجنة خلال عهد حكومة عزيز أخنوش. وهو ما يفتح الباب أمام مساءلة سياسية ومؤسساتية بشأن أسباب تعطيل آلية يفترض أن تضطلع بدور محوري في تنسيق السياسات العمومية المرتبطة بمحاربة الفساد، ومدى انعكاس هذا الغياب على تنفيذ الاستراتيجية المعتمدة.
فكيف يمكن الحديث عن استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، بينما تظل اللجنة المكلفة بتتبعها وتنسيق جهود تنزيلها بعيدة عن الحد الأدنى من الاجتماعات الذي ينص عليه المرسوم المنظم لها؟ وأي جدوى من إحداث آليات مؤسساتية إذا لم تُفعّل بانتظام، ولم تتحول اختصاصاتها القانونية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع؟
76 في المائة معلنة.. و54 في المائة فقط من المشاريع أُنجزت
ولم تتوقف المعطيات التي كشف عنها رئيس الهيئة عند محدودية اجتماعات اللجنة، بل امتدت إلى تقييم حصيلة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، حيث أظهرت نتائج التقييم وجود فارق بين النسبة التي قدمتها الحكومة ومستوى الإنجاز الفعلي للمشاريع المبرمجة.
ففي الوقت الذي احتسبت فيه الحكومة نسبة تنفيذ بلغت 76 في المائة، أوضح بنعليلو أن هذه النسبة تشمل مجموع المشاريع، بما فيها المشاريع المكتملة وتلك التي لا تزال في طور التنفيذ. أما عند الاقتصار على المشاريع التي أُنجزت فعلياً، فقد انخفضت النسبة إلى 54 في المائة.
وهنا تبرز إحدى الإشكالات الأساسية في تقييم السياسات العمومية: هل يكفي إدراج مشروع ضمن خانة التنفيذ لاحتسابه ضمن الحصيلة، أم أن المعيار الحقيقي ينبغي أن يكون هو الإنجاز الفعلي، واحترام الآجال، وتحقيق الأهداف المحددة؟
الفارق بين النسبتين لا يمثل مجرد اختلاف تقني في طريقة الاحتساب، بل يعكس أهمية اعتماد مؤشرات دقيقة وشفافة تميز بين ما أُنجز وما لا يزال قيد التنفيذ، وبين الالتزامات المعلنة والنتائج المحققة.
فالمواطن لا يقيس فعالية مكافحة الفساد بعدد المشاريع المدرجة في التقارير، وإنما بمدى انعكاسها على حماية المال العام، وتعزيز الشفافية، والحد من مظاهر الرشوة وسوء استغلال المسؤولية.
إنجازات متأخرة ومشاريع لم تنطلق
ومن بين الأرقام التي تستدعي التوقف عندها، أشار بنعليلو إلى أن 32 في المائة فقط من المشاريع المنجزة نُفذت داخل الآجال الزمنية المحددة، فيما لم تُنجز نسبة 14 في المائة من مجموع المشاريع، ولم يُشرع أصلاً في إطلاقها.
وتكشف هذه المعطيات، وفق التقييم الذي عرضه رئيس الهيئة، عن اختلالات في احترام الجدولة الزمنية وفي تتبع التنفيذ، بما يثير تساؤلات حول المسؤوليات الإدارية والمؤسساتية عن التأخير، وحول مدى نجاعة آليات التنسيق والمراقبة المعتمدة.
ولا يمكن اختزال تعثر استراتيجية بهذا الحجم في مسألة تقنية مرتبطة بتدبير المشاريع، لأن الأمر يتعلق بورش يرتبط بتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لذلك، فإن الحاجة لا تقف عند تقديم نسب الإنجاز، بل تمتد إلى توضيح أسباب التأخر، وتحديد الجهات المكلفة بكل مشروع، والكشف عن الإجراءات التصحيحية المتخذة لتدارك الاختلالات.
الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.. ملفات تنتظر الحسم
وفي سياق متصل، أعاد رئيس الهيئة إلى الواجهة عدداً من الملفات التشريعية والمؤسساتية التي لا تزال عالقة، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع، وتطوير منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، وإرساء آليات فعالة لمعالجة حالات تضارب المصالح.
وتكتسي هذه الملفات أهمية خاصة في أي سياسة تروم تعزيز النزاهة والوقاية من الرشوة، لأنها ترتبط بالشفافية في تدبير الشأن العام، وبالقدرة على رصد حالات تضارب المصالح، وبناء آليات فعالة للمساءلة وفق القانون.
غير أن استمرار هذه الملفات في دائرة الانتظار يطرح سؤالاً حول الأولويات التشريعية ومدى توفر الإرادة المؤسساتية لتجاوز التعثر، خصوصاً في ظل المعطيات التي تشير إلى محدودية اجتماعات لجنة التنسيق وضعف الإنجاز الفعلي لعدد من المشاريع.
إن ما كشف عنه بنعليلو يضع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد أمام ضرورة مراجعة أساليب التتبع والتقييم، والانتقال من منطق إعلان النسب إلى منطق النتائج القابلة للتحقق والمساءلة.
كما يفرض توضيح أسباب عدم انتظام اجتماعات اللجنة الوطنية، وتقديم حصيلة دقيقة للمشاريع المتعثرة، وتحديد المسؤوليات عن التأخير، مع وضع آجال واضحة لاستكمال الإصلاحات العالقة.
فمكافحة الفساد لا تُقاس بعدد الاستراتيجيات واللجان والتقارير، بل بمدى تفعيلها وتحويلها إلى إجراءات ملموسة. أما حين تتأخر المشاريع، وتتراجع نسبة الإنجاز الفعلي عن الحصيلة المعلنة، وتظل آليات التنسيق معطلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يحاسب المتأخرين عن تنفيذ استراتيجية وُضعت أساساً لتعزيز النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد