إدريس الكنبوري يحذر من انتقال موجة الاحتجاجات إلى المغرب.. الغلاء والفساد وأزمة الوساطة السياسية في الواجهة
هبة زووم – الرباط
في قراءة سياسية تربط بين موجة الاحتجاجات الشبابية التي تشهدها دول أوروبية وآسيوية وبين الأوضاع الاجتماعية والسياسية في المغرب، حذّر الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري من احتمال امتداد هذه التحركات إلى منطقة جنوب المتوسط، معتبراً أن عدداً من المؤشرات الاجتماعية والسياسية قد يجعل المغرب معنيّاً بهذا السيناريو.
وفي تدوينة جديدة، يرى الكنبوري أن الاحتقان الاجتماعي وارتفاع تكاليف المعيشة وما وصفه بانتشار الفساد المهيكل، إلى جانب تراجع أدوار الأحزاب في الوساطة بين المجتمع والدولة، عوامل تغذي أزمة الثقة وتطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة السياسية على استيعاب المطالب الاجتماعية، خصوصاً في أوساط الشباب.
ولا يقدم هذا الطرح الاحتجاجات باعتبارها مجرد موجة عابرة أو رد فعل ظرفي على الغلاء، بل يربطها بتحولات أعمق في علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات الحزبية والتمثيلية، وبمدى اقتناعها بأن القنوات السياسية التقليدية قادرة على نقل مطالبها وتحويلها إلى سياسات عمومية ملموسة.
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها الكنبوري مسألة العزوف الانتخابي، معتبراً أن ضعف المشاركة يعكس وجود شريحة واسعة من المواطنين لا تجد نفسها في البرامج الحزبية ولا في الاختيارات السياسية المطروحة.
ويرى الباحث أن تراجع الثقة في الأحزاب لا ينفصل عن أزمة الوساطة السياسية، إذ يعتبر أن عدداً من التنظيمات الحزبية ابتعد عن أدواره التقليدية في تأطير المواطنين ونقل انشغالاتهم، وأصبح، بحسب قراءته، أقل قدرة على التعبير عن الفئات المتضررة من الغلاء والاختلالات الاجتماعية.
ويذهب الكنبوري إلى أن استمرار هذا الوضع قد يوسع المسافة بين المؤسسات السياسية وقطاعات من المجتمع، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن صوته لا ينعكس على القرارات التي تمس حياته اليومية، أو أن البرامج الانتخابية لا تقدم أجوبة مقنعة عن قضايا الشغل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية.
لكن قراءة نسب المشاركة والعزوف تظل بحاجة إلى التمييز بين المعطيات الرسمية والتفسيرات السياسية؛ فالأرقام الانتخابية وحدها لا تكشف جميع دوافع عدم التصويت، كما أن تحديد حجم «الأغلبية الصامتة» ومواقفها يتطلب معطيات ميدانية واستطلاعات موثوقة، لا مجرد استنتاجات عامة.
ويضع الكنبوري أداء الأحزاب في قلب النقاش، معتبراً أن الاصطفاف السياسي الواسع إلى جانب الاختيارات الرسمية أضعف، في نظره، قدرة العمل الحزبي على لعب دور الوسيط المستقل بين الدولة والمجتمع.
ويستعمل الباحث توصيفاً حاداً حين يتحدث عن تحول العمل السياسي إلى صيغة مدنية من صيغ «البيعة»، في إشارة إلى ما يعتبره تراجعاً في مساحة الاختلاف السياسي وضعفاً في الأصوات القادرة على التعبير عن المطالب الاجتماعية خارج منطق التوافق مع الاختيارات الرسمية.
ويعكس هذا التوصيف موقفاً نقدياً من طبيعة العلاقة بين الأحزاب ومراكز القرار، لكنه يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول وظيفة المعارضة، وحدود استقلالية التنظيمات السياسية، ومدى قدرتها على استعادة ثقة المواطنين من خلال الممارسة والمحاسبة والارتباط الفعلي بمشاكلهم اليومية.
فالأحزاب لا تُقاس فقط بحضورها الانتخابي أو بعدد المقاعد التي تحصل عليها، بل كذلك بقدرتها على تأطير الاحتجاجات السلمية، وفتح قنوات الحوار، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى مقترحات قابلة للتنفيذ، وتقديم بدائل سياسية واضحة.
ومن المحاور الأساسية في تدوينة الكنبوري التحول الذي عرفته مواقع التواصل الاجتماعي، التي لم تعد، بحسب قراءته، مجرد فضاء لتبادل الآراء أو التعليق على القرارات، بل أصبحت مجالاً لصياغة المطالب وتداول الشكاوى وتعبئة الفئات الاجتماعية.
ويعتبر أن هذه المنصات باتت تؤدي وظائف كانت تضطلع بها، تقليدياً، قنوات التأطير الحزبي والمؤسساتي؛ إذ يجد المواطنون فيها مجالاً للتعبير عن غضبهم، وتوثيق اختلالات الخدمات، وتنسيق المبادرات الاحتجاجية، وتداول المطالب بعيداً عن الأطر السياسية التقليدية.
ويطرح هذا التحول تحدياً أمام الأحزاب والمؤسسات، لأن تجاهل الخطاب المتداول في الفضاء الرقمي قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بينها وبين فئات من الشباب، في حين أن التعامل معه بجدية يقتضي الإصغاء إلى المطالب والتحقق من الشكاوى وتوفير قنوات مؤسساتية للاستجابة.
غير أن الانتقال من التفاعل الرقمي إلى الاحتجاج الميداني ليس آلياً، كما أن مواقع التواصل لا تمثل بالضرورة جميع فئات المجتمع أو تعكس دائماً اتجاهات الرأي العام بدقة. ومع ذلك، فإنها أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل النقاش العام، وصناعة الرموز الاحتجاجية، وتسريع انتشار المطالب.
انطلاقاً من هذه المؤشرات، يربط الكنبوري بين التحركات الشبابية في الخارج وبين ما يعتبره عوامل ضغط داخلية في المغرب، محذراً من أن استمرار الغلاء وتراجع الثقة في الوساطة الحزبية قد يهيئان بيئة لتجدد الاحتجاجات.
لكن احتمال انتقال الاحتجاجات من بلد إلى آخر لا يمكن اعتباره نتيجة حتمية لتشابه بعض الظروف الاجتماعية؛ فهو يرتبط أيضاً بالسياق الوطني، وطبيعة المطالب، ومدى استجابة المؤسسات، وقدرة الفاعلين الاجتماعيين على التنظيم والتعبئة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذا السيناريو بوصفه قراءة تحذيرية يطرحها الباحث، لا توقعاً مؤكداً بشأن ما سيحدث.
وتكمن أهمية النقاش الذي أثارته التدوينة في الأسئلة التي تضعها أمام الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين: هل تنجح الأحزاب في استعادة دورها التأطيري؟ وهل تتحول شكاوى المواطنين المتداولة رقمياً إلى ملفات تحظى بالمعالجة الفعلية؟ وهل تستطيع السياسات العمومية تقديم أجوبة ملموسة عن الغلاء والبطالة وتفاوت الخدمات؟
في المحصلة، لا يتعلق التحدي بمجرد الخشية من انتقال موجة احتجاجية من الخارج، بل بمدى قدرة المؤسسات على فهم التحولات الاجتماعية والتواصل مع الأجيال الجديدة والاستجابة للمطالب المشروعة عبر قنوات الحوار والمحاسبة. فحين تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي وتجربة المواطن اليومية، يصبح استعادة الثقة أولوية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.