اليحياوي يحذر الدولة المغربية من “الانفجار الاجتماعي”: ما يجري بفرنسا ليس بعيداً عن المغرب

هبة زووم – الرباط
في قراءة تتجاوز حدود الاحتجاجات التي تعرفها فرنسا إلى واقع الأوضاع الاجتماعية بالمغرب، وجّه الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تحذيراً شديد اللهجة من مخاطر استمرار تدهور القدرة الشرائية، وتراجع الثقة في المؤسسات، واتساع الشعور بالفوارق الاجتماعية، معتبراً أن ما يجري في بلد أوروبي راكم عقوداً من مكتسبات الحماية الاجتماعية يحمل دروساً ينبغي للدولة المغربية أن تتعامل معها بجدية.
وفي تدوينة تفاعلية مع الاحتجاجات الفرنسية، ربط اليحياوي الغضب الاجتماعي بتراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العمومية، ولا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والشغل، إلى جانب ما اعتبره تآكلاً لمكتسبات اجتماعية كانت تشكل، لعقود، إحدى ركائز النموذج الاجتماعي الفرنسي.
ووجّه الباحث انتقاده إلى الاختيارات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة في عهد إيمانويل ماكرون، معتبراً أنها عمّقت الضغوط على الفئات الاجتماعية، وأضعفت الشعور بالأمان الاقتصادي لدى أسر باتت تجد صعوبة في تغطية نفقاتها الأساسية، رغم انتمائها إلى بلد صناعي متقدم.
لا يتعامل اليحياوي مع الاحتجاجات الفرنسية باعتبارها حدثاً معزولاً، بل يستحضرها للتحذير من الاعتقاد بأن التقدم الاقتصادي أو قوة المؤسسات كفيلان وحدهما بمنع الاحتقان الاجتماعي.
فحين تتراجع القدرة على تلبية الحاجات الأساسية، وتتدهور الخدمات العمومية، وتتقلص الآفاق أمام الشباب والأسر، تصبح المكتسبات السابقة عرضة للاهتزاز، حتى في البلدان التي راكمت تقاليد طويلة في الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يدعو الباحث الدولة المغربية إلى قراءة ما يجري في فرنسا باعتباره تنبيهاً إلى ضرورة الانتباه إلى المطالب الاجتماعية، وعدم الاستهانة بالشكاوى المرتبطة بالغلاء وتراجع الخدمات وتفاوت فرص الاستفادة من الثروة والفرص.
ويقوم جوهر رسالته على أن الاستقرار لا يُختزل في انتظام المؤسسات أو التحكم في مظاهر الاحتجاج، بل يرتبط أيضاً بقدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظارات المواطنين، وتوفير شروط العيش الكريم، وإشعارهم بأن أعباء الأزمات لا تُحمَّل للفئات نفسها باستمرار.
ومن أكثر النقاط حدة في تدوينة اليحياوي تحذيره من تآكل دور الوساطات السياسية والاجتماعية، من أحزاب ونقابات وجمعيات مدنية ومثقفين، وهي الهيئات التي يفترض أن تنقل مطالب المواطنين إلى المؤسسات، وتفتح قنوات الحوار، وتساعد على تدبير الخلافات قبل تحولها إلى أزمات أوسع.
ويرى الباحث أن إضعاف هذه الوساطات أو فقدانها ثقة المجتمع يجعل العلاقة بين الدولة والمواطن أكثر هشاشة، لأن الشكاوى قد تتراكم دون قنوات فعالة للتعبير عنها أو التفاوض بشأنها، وعندما يشعر المواطن بأن صوته لا يجد من ينقله، وأن المؤسسات لا تستجيب لمطالبه، فإن المسافة بين المجتمع وصناع القرار قد تتسع على نحو يهدد الثقة العامة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أن الوساطة ليست مجرد وجود أحزاب أو نقابات أو جمعيات في المشهد، بل تتطلب استقلالية ومصداقية وقدرة فعلية على التأثير. فوجود مؤسسات الوساطة شكلياً لا يكفي إذا لم يشعر المواطن بأنها قادرة على الدفاع عن مصالحه والترافع بشأن مطالبه.
ويربط اليحياوي بين الاحتقان الذي يحذر منه وبين شعور فئات من المجتمع بأن الثروة والسلطة تتركزان في أيدي دائرة محدودة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع قدرة الأسر على مواجهة النفقات الأساسية.
ويحذر، في هذا الإطار، من أن يؤدي اتساع الهوة بين الفئات الاجتماعية إلى تعميق الإحساس بالظلم، خصوصاً عندما يرى المواطن أن التضحيات المطلوبة منه لا يقابلها توزيع منصف للأعباء والفرص. وهي مسألة تضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية أمام اختبار يتجاوز معدلات النمو والمؤشرات الإجمالية، ليشمل أثر الاختيارات العمومية على الحياة اليومية للأسر.
غير أن تشخيص حجم الاحتقان بالمغرب وتحديد أسبابه ودرجاته يقتضي الاستناد إلى معطيات دقيقة بشأن الأسعار والدخل والتشغيل والخدمات العمومية والثقة في المؤسسات، أما التحذير الذي يقدمه اليحياوي، فينبغي قراءته باعتباره موقفاً نقدياً يستدعي النقاش والانتباه، لا باعتباره حكماً حتمياً بأن الانفجار الاجتماعي وشيك.
وفي تحذير مباشر، يعتبر اليحياوي أن اللجوء إلى المقاربة الأمنية لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن معالجة أسباب الغضب الاجتماعي، خاصة عندما ترتبط المطالب بتأمين الحاجات الأساسية والعدالة الاجتماعية والكرامة.
وتكمن أهمية هذا الطرح في التمييز بين تدبير الاحتجاج باعتباره وضعاً آنياً، ومعالجة الظروف التي قد تدفع المواطنين إلى الاحتجاج من الأصل. فالتعامل مع مظاهر الغضب وحدها لا يضمن معالجة جذوره، بينما يتطلب بناء الثقة سياسات ملموسة في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية، إلى جانب فتح قنوات حقيقية للحوار والمساءلة.
كما أن التحذير من الاحتقان لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى التهويل، بل باعتباره تنبيهاً إلى كلفة تجاهل المطالب الاجتماعية أو التعامل معها باعتبارها مجرد اضطراب ينبغي احتواؤه. فالاستقرار الأكثر رسوخاً هو الذي يستند إلى الثقة والإنصاف والاستجابة للمطالب المشروعة.
وفي المحصلة، يضع اليحياوي الدولة المغربية أمام سؤال جوهري: هل تُقرأ الاحتجاجات الاجتماعية في البلدان الأخرى باعتبارها أحداثاً بعيدة، أم باعتبارها فرصاً لاستخلاص الدروس وتصحيح الاختلالات قبل تفاقمها؟ فصيانة الاستقرار لا تتحقق فقط بتدبير الأزمات بعد وقوعها، بل أيضاً بتقليص أسبابها، وحماية القدرة الشرائية، وتحسين الخدمات العمومية، وإعادة الاعتبار للوساطات، وضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار التنمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد