هبة زووم – الرباط
وضع الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري الحكومة المغربية الجديدة أمام حزمة من التحديات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، معتبراً أن نجاحها لن يُقاس فقط بما ستعلنه في برنامجها الحكومي أمام البرلمان، بل بقدرتها على تقديم أجوبة عملية عن أسئلة غلاء المعيشة، وتركيز الثروة، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي تدوينة جديدة، ربط الكنبوري بين الظرفية التي تنطلق فيها الحكومة وما وصفه بتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بغلاء المعيشة في عدد من الدول الأوروبية، محذراً من أن تداعيات الأوضاع في الضفة الشمالية للمتوسط قد تجد صداها في المغرب، في ظل استمرار الضغط الذي تمارسه كلفة الحياة على القدرة الشرائية للمواطنين.
ويرى الباحث أن جوهر التحدي المغربي لا يقتصر على الاختلالات المالية أو الاقتصادية، بل يمتد، بحسب قراءته، إلى انتشار الفساد وتركيز الثروة في أيدي فئات محدودة، وما يثيره ذلك من أسئلة حول عدالة توزيع ثمار النمو ومصادر الاغتناء، وهي قراءة تضع الحكومة أمام امتحان يتجاوز الوعود العامة إلى مدى استعدادها لمواجهة الملفات التي ظلت موضوع نقاش سياسي ومجتمعي.
تجريم الإثراء غير المشروع والتصريح بالممتلكات
وجعل الكنبوري من إخراج قانون تجريم الإثراء غير المشروع أول اختبار لنوايا الحكومة الجديدة، مستحضراً سحب المشروع في الولاية السابقة، ومشيراً إلى مسؤولية مكونات حكومية سابقة عن مساره.
ويعتبر أن إعادة فتح هذا الملف ستشكل مؤشراً على مدى استعداد الحكومة للانتقال من خطاب محاربة الفساد إلى إجراءات تشريعية ملموسة.
كما دعا إلى تفعيل نظام التصريح الإجباري بالممتلكات، معتبراً أن فعاليته تظل رهينة بمدى احترام المسؤولين لالتزاماتهم، وبوجود آليات للمراقبة والتتبع والمساءلة.
ويضع هذا المطلب سؤال الشفافية في صلب النقاش حول تدبير الشأن العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصالح المواطنين والمال العمومي.
التهرب الضريبي ومحاربة الفساد.. امتحان المحاسبة
وفي محور ثالث، شدد الكنبوري على ضرورة مواجهة التهرب الضريبي، معتبراً أنه يحرم خزينة الدولة من موارد كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العمومية والاستثمار الاجتماعي.
واستخدم في هذا السياق صورة نقدية لاذعة لتوصيف علاقة بعض المستفيدين من الثروة الوطنية بالدولة، في إشارة إلى من يراكمون المكاسب دون أن يتحملوا نصيبهم العادل من الواجبات الضريبية.
ولم يفصل الباحث هذا الملف عن ضرورة محاربة الفساد والمفسدين، مستحضراً قضية الوزير السابق محمد مبديع، الذي أشار إليه في تدوينته بوصفه نموذجاً يطرح سؤال الانتقائية في المحاسبة.
وتتمثل الرسالة الأساسية في ضرورة أن تشمل المساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن اختلالات أو جرائم، وفق القانون، بعيداً عن منطق الاستثناء أو الاكتفاء بحالات محدودة.
أين الثروة؟.. سؤال يتجاوز الشعارات
أما الاختبار الخامس، فيرتبط بسؤال «أين الثروة؟»، الذي أعاد الكنبوري من خلاله طرح إشكالية العلاقة بين ما يتوفر عليه المغرب من إمكانات اقتصادية وبين استمرار شعور قطاعات من المواطنين بالفقر والهشاشة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويضع هذا السؤال الحكومة أمام تحدي تقديم معطيات واضحة حول مصادر الثروة الوطنية، وكيفية توزيع ثمارها، ومدى انعكاس السياسات العمومية على حياة المواطنين، فالنمو الاقتصادي، مهما كانت مؤشراته، يفقد جزءاً من معناه الاجتماعي إذا لم يتحول إلى فرص شغل وخدمات صحية وتعليمية أفضل وقدرة شرائية تحفظ كرامة الأسر.
وفي السياق نفسه، دعا الكنبوري إلى القطع مع ما وصفه بـ”عقلية التاجر”، منتقداً، من وجهة نظره، تغليب منطق المصالح والعلاقات بين أصحاب النفوذ الاقتصادي على مبدأ المساواة بين المواطنين، وهو نقد يثير بدوره سؤال حدود العلاقة بين السلطة والمال، وضرورة ضمان تكافؤ الفرص في الاستفادة من السياسات والموارد العمومية.
تحرير الصحافة ومساءلة السلطة
واختتم الكنبوري لائحة اختباراته بالدعوة إلى تحرير الإعلام والصحافة من قبضة الأجهزة، وتمكينهما من أداء دورهما في المراقبة والمساءلة ومواكبة الملفات المرتبطة بمحاربة الفساد والتهرب الضريبي والشفافية وتوزيع الثروة.
فمن دون إعلام قادر على التحقيق في الاختلالات، والوصول إلى المعلومات، وطرح الأسئلة المحرجة، تصبح الوعود الحكومية عرضة للبقاء في مستوى الخطاب، بينما تتراجع قدرة الرأي العام على تتبع تنفيذ الالتزامات وتقييم النتائج.
وخلص الباحث إلى أن هذه الملفات السبعة تمثل، في نظره، البرنامج الحقيقي الذي ينتظره المغاربة، حتى إن لم تكن جميعها حاضرة بالوضوح نفسه في الخطاب الحكومي المرتقب أمام البرلمان، مؤكداً أن الرهان لا يتعلق بصياغة الوعود بقدر ما يتعلق بترجمتها إلى قرارات قابلة للقياس والمحاسبة.
وبين مطالب محاربة الفساد، وإصلاح آليات التصريح بالممتلكات، ومواجهة التهرب الضريبي، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع الثروة، وضمان استقلالية الصحافة، تظل الحكومة الجديدة أمام امتحان سياسي واجتماعي واضح: هل ستكتفي بتقديم برنامج يحدد النوايا، أم ستنجح في إقناع المواطنين بأن هذه النوايا قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية؟
تعليقات الزوار