صفرو.. حين تتحول المادة 64 إلى سلاح إداري بيد العامل لتهديد التدبير الحر وتهميش المنتخب

هبة زووم – صفرو
أعاد النقاش حول تفعيل المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات طرح سؤال جوهري حول الحدود الفاصلة بين الرقابة الإدارية المشروعة والتدخل الذي قد يحدّ من استقلالية المجالس المنتخبة.
فحين تتحول آليات المراقبة من وسيلة لضمان احترام القانون إلى أداة يُخشى الإفراط في استعمالها، يصبح التدبير الحر، الذي كرسه دستور 2011، مهدداً بفقدان جزء من مضمونه السياسي والمؤسساتي.
لقد جعل دستور المملكة من التدبير الحر أحد المبادئ المؤطرة للتنظيم الترابي، وأكد الفصل 136 أن هذا التنظيم يقوم على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن.
كما جاء القانون التنظيمي رقم 113.14 ليؤطر ممارسة المجالس الجماعية لاختصاصاتها، دون أن يعني ذلك إعفاء المنتخبين من احترام القانون أو تحصين قراراتهم من الرقابة.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الرقابة الإدارية في حد ذاتها، بل في كيفية ممارستها، ومدى احترامها للتوازن الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين السلطة المنتخبة والإدارة الترابية.
فالرقابة التي تستهدف ضمان المشروعية تظل ضرورة مؤسساتية، أما إذا اتسع نطاقها إلى الحد الذي يجعل المنتخب متوجساً باستمرار من ممارسة اختصاصاته، فإنها قد تتحول إلى عامل يضعف المبادرة المحلية ويقيد المسؤولية السياسية أمام الناخبين.
وتتيح المادة 64، في هذا السياق، نقاشاً قانونياً ومؤسساتياً بالغ الأهمية. فهي تنظم مسطرة مرتبطة بالأفعال المنسوبة إلى رئيس المجلس المخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وتضع إجراءات تسبق اتخاذ القرار بشأنها، من بينها طلب الإيضاحات الكتابية داخل أجل محدد. وتكمن أهمية هذه الضمانات في ضرورة التعامل مع كل حالة وفق معطياتها وأسبابها، لا بمنطق التعميم أو إصدار أحكام مسبقة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح هو: ماذا يحدث حين يُنظر إلى هذه الآلية باعتبارها مساراً متكرراً للتدخل في عمل الرئاسة، بدل أن تظل إجراءً قانونياً مرتبطاً بحالات تستوجب تفعيله؟ وهل يمكن الحديث عن تدبير حر فعلي إذا أصبح المنتخب يشعر بأن هامش قراره محاصر، وأن كل مبادرة قابلة لأن تتحول إلى مواجهة مع الإدارة؟
إن الإفراط في تفعيل آليات المادة 64، متى ثبت وجوده في الممارسة، قد تكون له آثار تتجاوز الحالة الفردية لرئيس جماعة بعينه. فهو قد يضعف ثقة المنتخبين في جدوى ممارسة اختصاصاتهم، ويغذي الانطباع بأن السلطة الحقيقية في تدبير الشأن المحلي لا توجد دائماً لدى المؤسسات التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
كما قد ينعكس على صورة المجالس الجماعية أمام المواطنين، خصوصاً عندما تتراجع قدرة المنتخبين على إقناع الساكنة بأن قراراتهم وبرامجهم قادرة على إحداث تغيير ملموس.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما تتقدم الإدارة الترابية أو بعض المسؤولين الإداريين إلى واجهة المشهد المحلي، في وقت يبدو فيه المنتخب، في نظر جزء من الرأي العام، أقل تأثيراً في توجيه القرار العمومي.
فالإدارة تضطلع بأدوار قانونية وتنظيمية أساسية، لكنها ليست بديلاً عن المجالس المنتخبة، كما أن المنتخب لا يملك تفويضاً يبيح له تجاوز القانون. المطلوب، إذن، ليس إضعاف الرقابة ولا إطلاق يد المجالس دون ضوابط، وإنما ضمان عدم اختلال التوازن بين الطرفين.
فالمنتخب مسؤول أمام الناخبين عن خياراته وبرامجه وقراراته، والإدارة مسؤولة عن السهر على احترام القانون في حدود الاختصاصات المخولة لها.
وأي انزلاق نحو تغليب منطق المواجهة أو توسيع التدخل خارج مقتضيات المشروعية من شأنه أن يربك هذا التوازن، ويحوّل العلاقة المؤسساتية إلى صراع على النفوذ بدل أن تكون تعاوناً لخدمة التنمية المحلية.
من هنا، تبرز الحاجة إلى نقاش مؤسساتي جاد حول كيفية تفعيل المادة 64، ومعايير اللجوء إليها، وضمانات التطبيق المتوازن لها، مع التمييز الدقيق بين المخالفة القانونية والخلاف حول تقدير الخيارات التدبيرية، كما أن تعزيز الشفافية في الإجراءات والتعليل الواضح للقرارات يظل ضرورياً لتفادي أي التباس بشأن دوافع التدخل الإداري وحدوده.
إن حماية التدبير الحر لا تعني منح المنتخبين حصانة من المساءلة، كما أن احترام سلطة الإدارة لا يعني التسليم بإمكانية تحول الرقابة إلى وصاية فعلية على القرار المحلي. فالمعادلة الديمقراطية السليمة تقوم على منتخب يمارس اختصاصاته باستقلالية ومسؤولية، وإدارة تراقب المشروعية دون أن تحل محل الإرادة الانتخابية.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال ليس من ينتصر في العلاقة بين العامل ورئيس الجماعة، بل كيف يمكن ضمان ألا تتحول الرقابة إلى بديل عن التدبير المنتخب، وألا يصبح احترام القانون ذريعة لتهميش المؤسسات التي اختارها المواطنون.
فحين يفقد المنتخب القدرة على ممارسة اختصاصاته في إطار القانون، لا تتضرر صورته وحده، بل تتضرر معه الثقة في العملية الانتخابية وفي جدوى المشاركة الديمقراطية برمتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد