هبة زووم – الرباط
كتب الباحث والأكاديمي يحيى اليحياوي على صفحته في «فيسبوك» تدوينة لاذعة حول احتجاجات 27 و28 شتنبر، فاختار تسميةً لا تقتصر على وصف حدثٍ آنٍ، بل ترمي إلى تسمية مرضٍ مركزي في المجتمع: الحِكرة. ليست مقاومة ضد ظرفٍ قطاعيّ فحسب، بل ثورة ضد منظومة تهشّم كرامة الناس وتجردهم من إنسانيتهم.
اليحياوي يشرح أن الحِكرة ليست مشاعر غضب عابرة، بل واقع يومي: دوس الكرامة في تفاصيل العيش (المأكل والمشرب والتطبيب)، وفي مرافق الدولة بدايةً من الإدارة الصغيرة إلى مقرّات الحكم.
الحكرة، في وصفه، تصنع إنسانًا مقهورًا، «مخلوقًا بالإمكان سحقه»، إذ تُفقده إنسانيته عبر تراكم ظواهر: الفساد، المحسوبية، والتهميش الاجتماعي والاقتصادي.
ينتقد اليحياوي تلخيص الحراك بتسمية «جيل زيد» ويعرض بدلاً من ذلك تسمية تعبّر عن عمق المأزق: “انتفاضة الحكرة”، التسمية الجديدة، يضيف، تُعيد للسرد العام أبعاده الحقيقية: لا عنفاً طفولياً ولا مؤامرةً خارجية، بل صرخة شعبٍ يعيد المطالبة بحقوقه الأساسية.
يُقِرُّ الكاتب أنه ليس بعيداً عن هذه التجربة؛ فهو جزء من ملايين «ضحايا الحكرة» الذين اختاروا منذ زمن ألا يسايروا بيئاتٍ “متخمة بالكذب والنفاق”.
التدوينة لا تنحو إلى خطاب انتقادي فردي فقط، بل إلى خطاب تاريخي يربط بين هشاشة الحاضر وممارسات ممنظمة أدت إلى تراكمات انفجرت الآن في الشارع.
من نصّه نستخلص نقاطًا مركزية يجب أن تقرأها السلطات والسياسيون والمجتمع المدني: الحِكرة رديف الفساد، حيث الفساد ليس مجرد تدهور اقتصادي بل آلية تهميش متواصلة، فالشرخ الاجتماعي يتسع: فحين تُسلب الكرامة يصبح التظاهر ردة فعل طبيعية لا يجوز إجرامها أو تقزيمها، والشرعية الضائعة تحتاج استعادة: ليست المسألة فقط إجراءات تكنوقراطية بل ثقة متهاوية يجب بناؤها بإجراءات ملموسة وسريعة.
التدوينة ليست مجرد لطم للخدّ أو شجبٍ عاطفي؛ بل نداء عملي: هذا احتقان قابل للتفاقم، وبعض التأخير قد يحوّل الممكن إلى مستحيل. الرسالة واضحة: إصغاء فعلي، محاسبة شفافة، ومشاريع إصلاحية تستعيد كرامة الناس لا حفظ صورة مؤسساتية فارغة.
تدوينة يحيى اليحياوي تمثل منصّة فكرية تُعيد للشارع صوته وتحوله من مجرد “احتجاج” إلى “مطلب أخلاقي-سياسي”: إعادة الكرامة إلى مكانها، والرهان اليوم ليس فقط على تهدئة الشارع، بل على القدرة على الإصلاح الذي يردّ الحقوق المهضومة ويعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
تعليقات الزوار