بين خطة سانشيز بـ5 مليارات يورو وصمت حكومة أي حماية للمغاربة أمام أزمة الطاقة العالمية؟

هبة زووم – الرباط
أعلنت حكومة إسبانيا، أول أمس الجمعة، عن إطلاق خطة وطنية شاملة لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن أزمة الطاقة واستمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط، تضم 80 إجراءً استثنائياً، بميزانية إجمالية تقارب 5 مليارات يورو، في خطوة وصفت بـ”الشجاعة والمسؤولة” لحماية الأسر والشركات من تبعات الأزمة العالمية.
في المقابل، يواصل المواطن المغربي مواجهة تقلبات السوق العالمي وحيداً، حيث تتحول الحكومة إلى “بائع” يرفع الأسعار كلما ارتفعت عالمياً، دون استراتيجية واضحة للحماية أو الاستقرار، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: أين هي حماية القدرة الشرائية عندما تتحول أزمة الطاقة إلى ورشة استنزاف لجيوب المغاربة؟ وأي مسؤولية هذه التي تترك المواطنين يواجهون العاصفة وحدهم؟
خطة سانشيز: 80 إجراءً بـ5 مليارات يورو لحماية الأسر
وضح رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أن الخطة تستهدف تخفيف العبء المالي عن الأسر والشركات، عبر سلسلة من الإجراءات الضريبية والاجتماعية والدعم المباشر للقطاعات الأكثر تضرراً.
ومن أبرز التدابير الاقتصادية خفض نسبة الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على الكهرباء والوقود من 21% إلى 10%، وتخفيض الضريبة الخاصة على الكهرباء إلى أدنى مستوياتها (0.5%).
ويتوقع أن تسهم هذه التخفيضات في انخفاض فوري في أسعار البنزين والديزل بمتوسط ما بين 0.30 و0.40 يورو للتر الواحد، ما يعني توفير نحو 20 يورو تقريباً لكل عملية ملء خزان سيارة متوسطة.
كما تشمل الخطة توسيع نطاق التخفيضات الضريبية لتشمل الغاز الطبيعي ووقود التدفئة، وتجميد أسعار غاز البوتان والبروبان، مع تمديد العمل بـ”البونص الاجتماعي” للكهرباء لفائدة الأسر الهشة، وضمان عدم انقطاع الإمدادات الحيوية عنها طوال سنة 2026.
وفي ما يخص القطاعات الإنتاجية، أعلن سانشيز عن دعم مباشر بقيمة 20 سنتاً للتر الوقود لفائدة مهنيي النقل، والفلاحين، ومربي الماشية، والصيادين، إضافة إلى تخفيضات بنسبة 80% في رسوم الكهرباء للصناعات الكبرى كثيفة الاستهلاك للطاقة.
المغرب: تمرير الفاتورة بدلاً من الحماية الاستباقية
فيما تعمل الحكومة الإسبانية على خفض تأثيرات الارتفاعات المتتالية لثمن برميل النفط عالمياً على أسعار المحروقات، تركت الحكومة المغربية المواطنين يواجهون تقلبات السوق العالمي لوحدها، لتتحول إلى بائع وليس حكومة: كلما زاد السعر عالمياً إلا ورفعته على المواطنين دون وضع استراتيجية واضحة.
هذا الواقع يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُعلن الحكومة المغربية عن آلية تثبيت الأسعار في فترات الأزمات الدولية، كما تفعل دول مجاورة؟ وأين هي المخزونات الاستراتيجية التي يفترض أن تمتص صدمات التقلبات العالمية؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في سياسة طاقية بينما تُترك الأسعار رهينة تقلبات مشبوهة لا تعكس دائماً الواقع الدولي؟
فاستمرار سياسة التمرير لا يُغذي فقط استياء الرأي العام، بل يُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية دخلهم من تقلبات الأسواق العالمية.
حرب الشرق الأوسط: أي استباقية لأي حماية؟
خصوصاً مع تواصل الحرب التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط واحتمال توسعها لأسابيع قادمة، يبرز التباين الصارخ بين الاستباقية الإسبانية والردية المغربية في تدبير أزمة الطاقة.
فبينما تُعلن مدريد عن خطة طوارئ بـ5 مليارات يورو، تكتفي الرباط بمراقبة السوق وتمرير الفاتورة، في مشهد يطرح سؤالاً استراتيجياً: هل تنتظر الحكومة المغربية انهياراً اجتماعياً قبل التحرك؟ أم أن حماية المواطن ليست من أولوياتها في ظل الأزمات؟
ما ننتظره: من التمرير إلى الحماية الفعلية
لم يعد مقبولاً أن تُترك القدرة الشرائية للمغاربة رهينة تقلبات السوق وصمت المسؤولين، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الاقتصادي اليوم هو اعتماد آلية تثبيت الأسعار في فترات الأزمات الدولية، مع مراجعة ضريبية استباقية تخفف العبء عن المستهلك.
كما يتطلب الأمر توجيه دعم مباشر للقطاعات الأكثر تضرراً (النقل، الفلاحة، الصيد)، كما فعلت إسبانيا، لضمان استمرار نشاطها، بالإضافة إلى تعزيز المخزون الاستراتيجي من المواد الطاقية، مع شفافية كاملة في تدبيره لضمان استقرار الأسعار.
ويُنتظر أيضاً فتح حوار وطني جاد حول سياسة الطاقة، بمشاركة النقابادت والخبراء والفاعلين الاقتصاديين، لوضع رؤية مشتركة تحمي المواطن من تقلبات السوق، مع مراجعة هوامش ربح شركات التوزيع، ووضع سقوف قصوى للربح في فترات الأزمات لمنع المضاربة الموسمية.
إما حماية فعلية وإما استمرار في ثقافة التمرير
ما يعيشه المغاربة مع أزمة الطاقة ليس تقلّباً سوقياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الاقتصادية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية التمرير لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك السلطات بجدية لضمان حماية فعلية للقدرة الشرائية، ومحاسبة المضاربين، وضمان شفافية تدبير الطاقة، وإما أن تستمر ثقافة التمرير التي تُحوّل الأزمات الدولية من تحديات تُدبر إلى فرص لرفع الأسعار وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية دخلهم.
المغاربة ينتظرون، والطاقة ليست سلعة مضاربة والأسعار ليست أرقاماً عشوائية والمواطن ليس متفرجاً على سياسة تُمرر له فواتير أزمات لم يصنعها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد