الرشيدية.. حين تطغى المشاحنات السياسية على قضايا التنمية داخل المجالس الجماعية

هبة زووم – محمد خطاري
بدل أن تشكل دورات المجالس الجماعية بإقليم الرشيدية فضاءً للنقاش المسؤول حول قضايا التنمية المحلية وانتظارات المواطنين، تحولت بعض جلساتها، وفق انتقادات متداولة، إلى مناسبات للتوتر والمشاحنات السياسية وتبادل الاتهامات، في مشاهد تطرح أسئلة بشأن احترام أخلاقيات العمل المؤسساتي ومدى استحضار بعض المنتخبين لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
ففي الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة نقاشاً جدياً حول الميزانيات والبرامج التنموية ومشاكل الطرق والنظافة والإنارة والتجهيزات الأساسية، تطفو على السطح خلافات تطغى أحياناً على جدول الأعمال، وتدفع بقضايا المواطنين إلى الخلف، وسط تساؤلات حول قدرة بعض المجالس على تحويل الاختلاف السياسي إلى قوة اقتراحية تخدم الصالح العام.
ولا خلاف في أن التباين بين الأغلبية والمعارضة يشكل ركناً أساسياً في الممارسة الديمقراطية، بل إن النقاش الحاد، متى استند إلى الحجج والمعطيات، يمكن أن يسهم في تجويد القرارات وكشف مكامن الخلل. غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول الاختلاف إلى مشاحنات شخصية، أو تبادل للاتهامات، أو تشويش يعرقل التداول ويضعف قدرة المؤسسات المنتخبة على أداء مهامها.
إن تدبير الشأن المحلي لا يُقاس بحدة الخطابات أو ارتفاع الأصوات داخل قاعات الاجتماعات، وإنما بقدرة المنتخبين على مناقشة الملفات المطروحة، وتقديم بدائل واقعية، وتتبع تنفيذ المقررات، ومساءلة المسؤولين عن التأخر والاختلالات وفق المساطر القانونية.
ومن هنا، فإن استمرار أجواء التوتر في بعض الدورات، متى ثبتت، لا يسيء فقط إلى صورة المجالس الجماعية، بل يطرح أيضاً سؤال النجاعة: كم من الوقت يُخصص لمناقشة حاجيات الساكنة؟ وما حجم القرارات التي تتحول إلى مشاريع ملموسة؟ وهل تُستثمر الخلافات السياسية في تحسين التدبير، أم تصبح عائقاً أمام اتخاذ القرارات الضرورية؟
وتتحمل رئاسة كل مجلس مسؤولية ضمان السير العادي للدورات، وتطبيق النظام الداخلي، وتمكين مختلف مكونات المجلس من التعبير عن مواقفها في إطار القانون، دون السماح بتحويل الجلسات إلى فضاءات للتجريح أو تعطيل النقاش. كما تقع على عاتق جميع الأعضاء مسؤولية احترام المؤسسة التي يمثلونها، والتمييز بين المنافسة السياسية والمصلحة العامة.
في المقابل، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى الهدوء والانضباط إلى وسيلة لإسكات المعارضة أو الحد من حقها في مساءلة الأغلبية. فالمحاسبة والنقد وطلب التوضيحات حقوق أساسية في العمل الجماعي، شريطة أن تمارس في إطار مؤسساتي يحترم القانون ويتيح النقاش الجاد والشفاف.
كما يظل للإعلام والمجتمع المدني دور محوري في تتبع أشغال المجالس، ونقل مواقف مختلف الأطراف، وفحص مدى تنفيذ الوعود والبرامج، مع التمييز بين الخلاف السياسي المشروع والسلوك الذي قد يؤثر في السير العادي للمؤسسة المنتخبة.
إن الرشيدية، كما غيرها من المدن والجماعات، تحتاج إلى مجالس تجعل التنمية والخدمات الأساسية في صدارة أولوياتها، وتمنح النقاش حول الميزانيات والمشاريع المكانة التي يستحقها، بدل استنزاف الزمن المؤسساتي في صراعات لا تقدم حلولاً ملموسة لمشاكل السكان.
ويبقى السؤال الذي يستحق جواباً من المنتخبين: هل ستتحول دورات المجالس الجماعية إلى فضاءات للمساءلة وتقديم البدائل وتقييم الحصيلة، أم ستظل بعض الجلسات أسيرة التوتر والمشاحنات، بينما تنتظر الساكنة نتائج ملموسة على أرض الواقع؟
فهيبة المؤسسات المنتخبة لا تُصان بالصراخ، بل باحترام القانون، وجودة القرارات، وشفافية التدبير، والقدرة على تحويل الاختلاف السياسي إلى خدمة فعلية للمواطن.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد