أين اختفى المثقف المغربي؟ إدريس الكنبوري يفتح ملف الصمت الثقافي وأزمة المواطنة

هبة زووم – الرباط
أعاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح النقاش حول موقع المثقف المغربي في الحياة العامة، منتقداً ما اعتبره انسحاباً واسعاً للمثقفين والمفكرين من مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب، في وقت تتزايد فيه الأسئلة بشأن المشاركة السياسية، ومستقبل الديمقراطية، وقضايا الشباب، والتحولات المرتبطة بالوحدة الترابية.
وفي تدوينة جديدة، قدّم الكنبوري قراءة نقدية لوضع المثقف المغربي، معتبراً أن جزءاً من النخبة الفكرية ابتعد عن النقاش العمومي بفعل اليأس أو الخوف من المواجهة، فيما انشغل آخرون بمسارات مهنية وأكاديمية لا تتيح لهم، بحسب تشخيصه، الانخراط الكافي في قضايا المجتمع. وذهب إلى أن هذا الانسحاب لم يعد مجرد اختيار فردي، بل أصبح مؤشراً على أزمة أعمق في العلاقة بين المعرفة والسلطة والمواطنة.
وتضع هذه المواقف سؤالاً مركزياً أمام المشهد الثقافي المغربي: هل تراجع حضور المثقف نتيجة اختياراته الخاصة، أم أن طبيعة العلاقة بين الدولة والنخبة الفكرية ساهمت بدورها في تضييق مساحة التأثير والمشاركة؟
استحضر الكنبوري مرحلة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، معتبراً أن الحياة العامة آنذاك عرفت حضور أسماء فكرية وثقافية في محيط الدولة، من بينها محمد علال سيناصر وعبد الهادي بوطالب وعبد الهادي التازي والفقيه محمد الركراكي. ويرى أن عدداً من هؤلاء لم يقتصر دورهم على الوظائف الرسمية، بل ساهموا في الكتابة والتأليف والمحاضرة، وامتلكوا مواقف ورؤى فكرية وسياسية.
ومن خلال هذه المقارنة، يطرح الباحث سؤالاً حول التحول الذي أصاب علاقة المثقف بالمجال العام، وحول أسباب تراجع الشخصيات التي تجمع بين المعرفة والتأثير الفكري والانخراط في القضايا الوطنية.
غير أن استحضار تلك المرحلة لا يلغي الحاجة إلى قراءتها في سياقها السياسي والتاريخي، بما عرفته من حدود للحرية وتوترات في العلاقة بين السلطة والمعارضة. فوجود مثقفين في محيط الحكم لا يعني بالضرورة أن المجال الثقافي كان مفتوحاً للجميع، كما أن تقييم الحضور الفكري لا ينبغي أن يقتصر على قرب المثقف من دوائر القرار، بل يتطلب النظر أيضاً إلى استقلاليته، وقدرته على النقد، ومدى تأثيره في المجتمع.
وفي المقابل، فإن السؤال الذي يثيره الكنبوري يظل مشروعاً: أين هي اليوم الأصوات الفكرية القادرة على تحويل الأحداث المتسارعة إلى نقاش عمومي عميق، يتجاوز التعليق العابر إلى التحليل والتفسير واقتراح البدائل؟
من أبرز الأفكار التي وردت في تدوينة الكنبوري انتقاده لما وصفه بـ«المثقفين الإداريين»، الذين يرى أنهم يشتغلون داخل المؤسسات دون أن يمتلكوا بالضرورة رؤية فكرية أو سياسية مستقلة. كما استعاد مفهوم «المثقف الكلي» عند الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، باعتباره نموذجاً للمثقف الذي لا يحصر المعرفة في الجامعة أو الكتب، بل يربطها بقضايا الناس اليومية وبالأسئلة السياسية والاجتماعية الكبرى.
وتكشف هذه المقارنة عن إشكال يتجاوز الأفراد إلى طبيعة الدور الذي يُنتظر من المثقف داخل المجتمع. فهل تتمثل وظيفته في إنتاج المعرفة المتخصصة فقط، أم أن عليه أيضاً المساهمة في النقاش العمومي، وتفسير التحولات، ومساءلة السياسات والقرارات التي تؤثر في حياة المواطنين؟
لا يمكن مطالبة جميع الباحثين باتخاذ المواقف السياسية نفسها أو تحويل كل تخصص علمي إلى نشاط احتجاجي، لكن من المشروع التساؤل عن مدى حضور المعرفة في النقاشات التي ترسم ملامح المستقبل، فالمثقف ليس مطالباً بترديد خطاب الدولة أو معارضتها بصورة آلية، وإنما بإعمال النقد، وتقديم الحجج، وتوسيع مساحة النقاش العقلاني، حتى عندما تكون النتائج غير مريحة لمختلف الأطراف.
ومن هنا، فإن جوهر الأزمة، كما تطرحها التدوينة، لا يتعلق فقط بعدد المقالات أو الندوات، بل بمدى استقلالية الإنتاج الفكري وقدرته على الوصول إلى المجتمع والتأثير في النقاشات العامة.
واستدل الكنبوري بعدد من القضايا التي يرى أنها لم تحظ بالمواكبة الفكرية اللازمة، من بينها هجرة الشباب ومحاولات الوصول إلى سبتة، والتحولات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية. واعتبر أن حجم هذه الأحداث كان يقتضي حضوراً أكبر للمثقفين والباحثين، سواء من خلال التحليل أو مساءلة السياسات العمومية أو إنتاج دراسات معمقة.
كما قارن بين ما يُنشر في إسبانيا من مقالات ودراسات وكتب حول الصحراء، وبين ما يراه محدوداً في المغرب، مضيفاً أن جزءاً من الكتابات الإسبانية التي تدافع عن الموقف المغربي ينجزها، بحسب تعبيره، مثقفون إسبان يستعين بهم المغرب.
وتستدعي هذه المقارنة نقاشاً جدياً حول الاستثمار في البحث العلمي، ومراكز الدراسات، والإنتاج المعرفي المرتبط بالقضايا الاستراتيجية. غير أن إثبات حجم الفارق بين البلدين يتطلب معطيات موثقة بشأن عدد المنشورات، وطبيعتها، والجهات المنتجة لها، ومدى انتشارها وتأثيرها، بدل الاكتفاء بالانطباع العام.
أما قضية هجرة الشباب، فإنها تضع المثقف أمام مسؤولية تحليل أسباب الإحباط الاجتماعي والاقتصادي، وتقييم السياسات المرتبطة بالتشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية، من دون اختزال الظاهرة في تفسير واحد. فالمطلوب ليس مجرد إصدار موقف أخلاقي من الهجرة، بل إنتاج معرفة تساعد على فهم دوافعها وانعكاساتها والبدائل الممكنة.
وبالنسبة إلى قضية الصحراء، فإن حضور الباحثين لا يُقاس فقط بالدفاع السياسي عن موقف معين، بل أيضاً بقدرتهم على إنتاج معرفة تاريخية وقانونية واجتماعية موثقة، وتطوير دراسات قابلة للتداول الأكاديمي والإعلامي داخل المغرب وخارجه.
وتبلغ تدوينة الكنبوري ذروتها عندما يربط وضع المثقف بما وصفه بـ«نقصان المواطنة»، معتبراً أن غياب الاعتراف بدور المثقف من جانب الدولة يؤثر في شعوره بالانتماء وفي قدرته على ممارسة مواطنته بصورة مكتملة.
ويضع هذا الطرح العلاقة بين الدولة والمثقف في صلب النقاش: هل توفر المؤسسات فضاءات كافية للنقد المستقل؟ وهل يحظى البحث العلمي والفكر النقدي بالمكانة التي يستحقانها؟ وإلى أي حد يستطيع الباحث أن يعبّر عن مواقفه، ويناقش الخيارات العمومية، من دون أن تتحول اختلافاته الفكرية إلى عائق أمام حضوره المهني أو الاجتماعي؟
لكن المسؤولية لا تتوقف عند الدولة وحدها. فالمثقفون بدورهم مطالبون بمراجعة طرق اشتغالهم، والانفتاح على المجتمع، وتبسيط المعرفة، ومغادرة العزلة الأكاديمية عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الحياة اليومية للمواطنين. كما أن الجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام والهيئات الثقافية تتحمل نصيباً من المسؤولية في خلق فضاءات تسمح بتبادل الأفكار وتداول النقد.
ولا ينبغي، في المقابل، التعامل مع المثقفين باعتبارهم كتلة واحدة؛ فهناك تفاوت في التخصصات والاختيارات والظروف، كما أن الانخراط في الشأن العام قد يأخذ أشكالاً مختلفة، من البحث العلمي إلى العمل المدني والصحافة والنقاشات العمومية. لذلك، فإن تشخيص الانسحاب الواسع يحتاج بدوره إلى معطيات ودراسات تحدد حجمه وأسبابه، ولا تكتفي بالتعميم.
هذا، وتفتح مواقف إدريس الكنبوري نقاشاً يتجاوز تقييم أداء المثقفين إلى سؤال أوسع حول موقع الفكر في المجتمع المغربي. فحين تتسارع التحولات السياسية والاجتماعية، يصبح إنتاج المعرفة المستقلة وتحليل الوقائع وتفسيرها ضرورة لتوسيع النقاش العمومي، ومساعدة المواطنين على فهم الخيارات المطروحة وآثارها المحتملة.
ولا تُستعاد مكانة المثقف بمجرد الحنين إلى أسماء الماضي، ولا بتبادل الاتهامات بين الدولة والنخبة، بل بتوفير شروط البحث المستقل، وتعزيز حرية التعبير والنقاش، وتشجيع المؤسسات الجامعية والثقافية على الانفتاح على قضايا المجتمع. كما تتطلب إرادة من المثقفين أنفسهم للعودة إلى النقاش العام، من خلال أعمال موثقة ومواقف واضحة، لا من خلال الشعارات وحدها.
في النهاية، يطرح الكنبوري سؤالاً يستحق النقاش: كيف يمكن لمجتمع أن يواجه تحولاته الكبرى من دون أن تكون لديه نخبة فكرية تفسر ما يحدث، وتناقش اختياراته، وتنتقد اختلالاته وتقترح البدائل؟
إن أزمة المثقف، إن ثبت اتساعها، ليست شأناً خاصاً بفئة أكاديمية، بل قضية ترتبط بجودة النقاش العمومي وبقدرة المجتمع على فهم نفسه وصياغة مستقبله. وبين مسؤولية الدولة في توفير شروط الاستقلالية، ومسؤولية المثقف في الانخراط والنقد، يبقى التحدي هو إعادة وصل المعرفة بقضايا المواطنين، حتى لا يظل الفكر حبيس التخصصات، ولا يتحول الشأن العام إلى مجال خالٍ من التحليل العميق والمساءلة الجادة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد