هبة زووم – الرباط
لم تعد زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة المحتلة، في قراءة الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، مجرد حدث بروتوكولي يثير الجدل حول السيادة، بل تحولت إلى مرآة تعكس، بحسب تدوينته، تناقضات الخطاب الوطني المغربي، وحدود الشعارات التي يرفعها بعض الفاعلين حين يتعلق الأمر بفلسطين أو بالقضايا الترابية للمملكة.
وفي تدوينة جديدة اتسمت بنبرة نقدية حادة، وجّه اليحياوي سهام انتقاده إلى أصحاب شعار «تازة قبل غزة» ومروّجي سردية «كلنا إسرائيليون»، متسائلاً عن سبب غياب الأصوات التي اعتادت تخوين خصومها واتهامهم بالتقصير في الوطنية، عندما تعلق الأمر بزيارة العاهل الإسباني إلى مدينة يعتبرها المغرب جزءاً من أراضيه المحتلة.
ويضع الباحث هذه المفارقة في صلب نقاش أوسع بشأن مفهوم الوطنية نفسه: هل هي مجرد شعارات تُرفع في مواجهة الخصوم، أم موقف متكامل يُختبر عند الدفاع عن السيادة وكرامة المواطنين وحقوقهم، دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير؟
ينتقد اليحياوي ما يعتبره صمتاً لافتاً من بعض الأصوات التي تتصدر النقاش العمومي باسم الوطنية، وترفع شعارات حادة ضد من تختلف معهم سياسياً أو فكرياً، لكنها لم تُظهر، بحسب تدوينته، الحماسة ذاتها إزاء زيارة ملك إسبانيا لسبتة المحتلة.
ومن خلال هذه المقارنة، يطرح سؤالاً محرجاً حول مدى ثبات المواقف الوطنية، ومدى ارتباطها بمبادئ واضحة بدل توظيفها أداةً لتصنيف المواطنين بين وطنيين وخونة، أو بين مدافعين عن مصالح البلاد ومتهمين بالتفريط فيها.
ولا يتوقف نقد اليحياوي عند غياب ردود الفعل الفردية، بل يمتد إلى ما يصفه بالاصطفاف خلف الصمت الرسمي، في إشارة إلى غياب احتجاج معلن على الزيارة. وهو موقف يعتبره مدخلاً لمساءلة الخطاب الوطني الذي يطالب الآخرين بإثبات ولائهم، بينما يواجه بدوره اختباراً عملياً حين يتعلق الأمر بقضية ترابية حساسة.
غير أن غياب الاحتجاج العلني لا يكفي وحده لإثبات تراجع المواقف الوطنية أو التخلي عن المطالب الترابية؛ فقد تختار الدول أساليب دبلوماسية مختلفة في تدبير خلافاتها. لكن من حق الرأي العام أن يتساءل عن دوافع هذه الاختيارات، وعن مدى وضوح الاستراتيجية المعتمدة، وعن النتائج التي تحققها على المدى البعيد.
وفي قراءته للزيارة، ينطلق اليحياوي من حقيقة أن العاهل الإسباني يتعامل مع سبتة باعتبارها جزءاً من الدولة الإسبانية، وهو ما يجعل زيارته، من وجهة نظر مدريد، ممارسة عادية لسلطته داخل مجال تعتبره خاضعاً لسيادتها.
لكن الباحث يرفض أن يتحول هذا الأمر الواقع إلى مسلّمة تُعفي مناقشة الخلفية التاريخية والسياسية للوجود الإسباني في المدينة، مؤكداً أن مرور الزمن لا ينبغي أن يُستخدم لإغلاق النقاش بشأن المطالب الترابية المغربية.
ويثير هذا الموقف سؤالاً أساسياً حول كيفية الدفاع عن المطالب التاريخية المتعلقة بسبتة ومليلية: هل يكفي التشبث بها في الخطاب السياسي، أم أن الأمر يتطلب أيضاً عملاً دبلوماسياً مستمراً، وتواصلاً واضحاً مع الرأي العام، ومقاربة طويلة الأمد لا تختزل القضية في ردود الفعل الظرفية؟
وبين الموقف الإسباني الذي يؤكد سيادته على المدينتين، والموقف المغربي المرتبط بمطالبه التاريخية، تظل القضية قائمة، بما تفرضه من تدبير دبلوماسي دقيق ونقاش عمومي يستند إلى الوقائع والخيارات المعلنة.
غير أن الجانب الأكثر إثارة في تدوينة اليحياوي يتعلق بزيارة ملك إسبانيا للمقبرة التي تضم قبور ضحايا محاولة العبور الجماعي نحو سبتة، حيث يقر الباحث بأن هذه الخطوة تُحسب للعاهل الإسباني من الناحية الإنسانية والرمزية، رغم الخلاف السياسي بشأن وضع المدينة.
ويذهب اليحياوي إلى أن ترحم الملك الإسباني على الضحايا، وفق معتقده، يضع المغرب أمام أسئلة ثقيلة بشأن التعامل مع جثامين أبنائه، ومصير العائلات التي تنتظر معرفة هويات ذويها، والظروف التي تجعل بعض القبور تحمل أرقاماً بدل الأسماء.
ويحوّل الباحث هذه المقارنة إلى نقد أخلاقي مباشر، معتبراً أن الدولة التي لا تصون كرامة مواطنيها في حياتهم ومماتهم تواجه تناقضاً حين تجعل الدفاع عن الأرض عنواناً مركزياً لخطابها السياسي.
وهنا ينتقل النقاش من حدود السيادة إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن: ما قيمة الشعارات الوطنية إذا لم تقترن بحماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان حق أسر الضحايا في معرفة الحقيقة واستعادة رفات ذويها؟
إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تظل رهينة السجال السياسي، بل تستدعي توضيحاً بشأن عدد الضحايا وهوياتهم، والجهود المبذولة لتحديد أصحاب القبور المرقمة، والتنسيق مع الجهات المعنية لضمان احترام كرامة الموتى وحقوق أسرهم. فهذه حقوق إنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق للمزايدة بين الدول أو الأطراف السياسية.
تكشف تدوينة اليحياوي عن تصور للوطنية يرفض اختزالها في شعارات تُستخدم لإسكات المخالفين أو التشكيك في ولائهم. فالدفاع عن القضايا الترابية، وفق المنطق الذي يطرحه الباحث، لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان الذي يُفترض أن تكون الأرض وُجدت لحماية كرامته وضمان حقوقه.
لكن هذا الطرح يفتح بدوره مجالاً لنقاش ضروري: هل ينبغي قياس وطنية الأفراد بمواقفهم من حدث بعينه، أم بمدى اتساق مواقفهم وسلوكهم عبر قضايا متعددة؟ وكيف يمكن التمييز بين الاختلاف في تقدير المواقف الدبلوماسية وبين التخلي عن المبادئ الوطنية؟
إن تحويل الوطنية إلى امتحان دائم للولاء، أو احتكارها من طرف تيار دون غيره، لا يساعد على بناء نقاش عمومي ناضج. كما أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع المطالبة بمحاسبة المؤسسات على تدبير الملفات الإنسانية، بل إن الجمع بين الأمرين هو ما يمنح الخطاب الوطني مصداقيته.
وفي المحصلة، يضع اليحياوي النقاش أمام معادلة تتجاوز زيارة ملك إسبانيا لسبتة: لا يمكن أن تتحول الأرض إلى ذريعة لتجاهل الإنسان، ولا ينبغي أن تصبح الكرامة الإنسانية شعاراً موسمياً يُستحضر عند الحاجة ويُنسى عند الاختبار.
فالوطنية التي تستحق اسمها ليست مجرد رفع للشعارات أو تخوين للخصوم، بل مسؤولية تُقاس أيضاً بمدى صون كرامة المواطنين، والوفاء لضحايا المآسي، وضمان ألا تتحول قبورهم إلى أرقام مجهولة، بينما تتواصل الخطب عن السيادة والحقوق.
تعليقات الزوار