اليحياوي يهاجم مفهوم “التوقيع عن رب العالمين”: لا حصانة للفتوى ولا عصمة للمفتي

هبة زووم – الرباط
أثار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي نقاشاً نقدياً بشأن حدود السلطة الدينية وطبيعة الاجتهاد الفقهي، على خلفية تصريح للأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، خلال ندوة حول الإفتاء احتضنتها الرباط، وصف فيه الإفتاء بأنه “التوقيع عن رب العالمين”، معتبراً إياه آلية مهمة للتوعية الدينية وتبصير الناس بحقوقهم وواجباتهم.
وفي تدوينة اتسمت بلهجة حادة، تساءل اليحياوي عن المقصود بهذا التعبير، معتبراً أن ظاهره قد يوحي بنقل الفتوى من مجال الرأي الفقهي القابل للصواب والخطأ إلى مجال سلطة دينية تحظى بنوع من الحصانة، بما قد يضعف قابلية الاجتهاد للنقد والمراجعة.
ولا يستهدف هذا التساؤل، في جوهره، أهمية الإفتاء أو دور العلماء في توجيه الناس، بقدر ما يضع اللغة المستعملة في توصيف هذه المهمة تحت المجهر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعبارات ذات حمولة دينية قوية يمكن أن تُفهم، خارج سياقها العلمي، باعتبارها إضفاءً لصفة استثنائية على رأي المفتي.
هل الفتوى رأي فقهي أم سلطة فوق النقد؟
يتمحور اعتراض اليحياوي حول التمييز بين النص الديني والاجتهاد البشري في فهمه واستنباط الأحكام منه. فالمفتي، مهما بلغت مكانته العلمية، يظل مجتهداً بشرياً، ولا تكتسب آراؤه العصمة لمجرد صدورها عن عالم أو مؤسسة دينية.
ومن هذا المنطلق، يحذر الباحث من أن يؤدي التعامل غير النقدي مع الفتوى إلى تحويلها إلى رأي يصعب الاعتراض عليه، أو إلى إضعاف الاعتراف بتعدد الاجتهادات واختلافها باختلاف السياقات والوقائع. فالمكانة العلمية، وفق هذا التصور، تستوجب الاحترام، لكنها لا تعني تحصين الرأي من النقاش، ولا تمنع مراجعته متى اقتضت الأدلة والمعطيات ذلك.
ومع ذلك، فإن عبارة “التوقيع عن رب العالمين” لها استعمال معروف في التراث الفقهي، حيث تُستعمل للتعبير عن خطورة مهمة الإفتاء ومسؤولية المفتي حين يخبر عن حكم شرعي.
ولا تعني في دلالتها الاصطلاحية بالضرورة أن المفتي معصوم أو أن فتواه وحي لا يحتمل الخطأ. لذلك، فإن موضع النقاش الدقيق هو ما إذا كان استعمال العبارة في الخطاب العام يوضح هذه المسؤولية، أم قد يُفهم على نحو يضفي على الفتوى سلطة تتجاوز طبيعتها الاجتهادية.
رفض الوساطة واحتكار فهم الدين
ولم يقف اليحياوي عند حدود نقد العبارة، بل انتقل إلى مساءلة ما اعتبره احتمالاً لترسيخ صورة المفتي باعتباره واسطة لا غنى عنها لفهم الدين واستنباط مقاصده الكبرى. وفي هذا السياق، أكد موقفه الرافض لأي حصانة للفتوى، مهما بلغت مكانة صاحبها، ولأي عصمة للمفتي، مهما علا مقامه أو اتسع نفوذه.
كما استحضر عبارة “لا وساطة في الإسلام”، محذراً مما وصفه بـ”مسيحية مقنعة”، في إشارة نقدية إلى مخاوفه من نشوء سلطة دينية تحتكر تفسير الدين أو تجعل اجتهاداتها بمنأى عن المساءلة.
غير أن التمييز يظل ضرورياً بين الاستعانة بالعلماء باعتبارهم أهل اختصاص في فهم النصوص وأصول الاستنباط، وبين اعتبارهم وسطاء لا يمكن تجاوزهم في العلاقة الدينية. فوجود العلماء والمؤسسات العلمية لا يعني، في حد ذاته، احتكار فهم الدين، كما أن نقد سلطة الإفتاء لا يستلزم التقليل من قيمة المعرفة الدينية أو إلغاء دور المتخصصين.
احترام العلماء لا يعني تقديس اجتهاداتهم
تكشف تدوينة اليحياوي عن سؤال أساسي يتجاوز الخلاف حول صياغة بعينها: كيف يمكن الحفاظ على مكانة الإفتاء ومسؤوليته الدينية، من دون تحويل الفتوى إلى سلطة مغلقة أمام النقد؟
إن الفصل بين قداسة النص الديني وبشرية الاجتهاد يظل مدخلاً ضرورياً لهذا النقاش، فالفتوى ليست نصاً مقدساً في ذاتها، وإنما اجتهاد في فهم النصوص وتنزيل الأحكام على الوقائع؛ وقد تختلف التقديرات الفقهية، وتتغير بعض الأحكام الاجتهادية بتغير الظروف والمعطيات التي بُنيت عليها، وفق الضوابط العلمية المعتمدة.
وبين حدة موقف اليحياوي والدلالة التراثية لعبارة “التوقيع عن رب العالمين”، تبدو الحاجة قائمة إلى نقاش يميز بين المسؤولية التي يتحملها المفتي وبين ادعاء العصمة الذي لا يترتب بالضرورة على هذا الوصف.
فالرهان ليس في إضعاف مكانة العلماء، ولا في منحهم سلطة مطلقة، وإنما في ترسيخ ثقافة دينية تعترف بقيمة الاختصاص، وتضمن في الوقت نفسه حق الاختلاف والمراجعة، وتُبقي الاجتهاد البشري مفتوحاً أمام النقد المسؤول.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد