من يحتفل بالوحدة ومن يصارع العطش؟ ساكنة بولمان تضع المسؤولين أمام امتحان العدالة المجالية

هبة زووم – بولمان
بين الشعارات الوطنية التي تحتفي بوحدة الوطن، والواقع اليومي الذي تصفه ساكنة إقليم بولمان، تتسع فجوة مقلقة لا يمكن ردمها بالخطابات وحدها. فمن إيموزار مرموشة إلى عدد من الجماعات والدواوير بالإقليم، تضع مذكرة ترافعية موجهة إلى المسؤولين ملفات الماء الصالح للشرب، وتعثر رخص البناء والإصلاح، واهتراء المسالك الطرقية، وهجرة الشباب، في صلب نقاش يختصر سؤالاً جوهرياً: هل وصلت ثمار التنمية إلى جميع المواطنين، أم ما تزال بعض المناطق تنتظر أبسط شروط العيش الكريم؟
المذكرة، التي وجهتها ساكنة وفعاليات الإقليم إلى عامل بولمان ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والمدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بمناسبة عيد الوحدة الوطنية، لا تكتفي بسرد مطالب اجتماعية متفرقة، بل تضع المسؤولين أمام اختبار حقيقي لمدى الالتزام بمبدأ العدالة المجالية، وتطرح سؤالاً محرجاً حول مصير المناطق التي ظلت، وفق ما يورده أصحابها، تواجه اختلالات متراكمة في الخدمات الأساسية، فالوحدة التي لا يشعر المواطن بثمارها في منزله وحقله وطريقه ومدرسته، تظل ناقصة من زاوية التنمية والإنصاف.
رخص البناء والإصلاح.. المواطن رهينة تصاميم متقادمة ومساطر معقدة؟
في ملف التعمير، تتحدث المذكرة عن تعثر منح رخص البناء والإصلاح، وتعزو ذلك إلى تقادم تصاميم التهيئة وضعف المواكبة الميدانية. وهي وضعية تقول الساكنة إنها تجعل عدداً من المواطنين عالقين بين الحاجة إلى بناء مساكنهم أو إصلاحها، وبين عراقيل إدارية لا تبدو لها نهايات واضحة.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق جواباً صريحاً: لماذا تستمر معاناة المواطنين مع مساطر التعمير من دون أن تتوفر لهم رؤية واضحة بشأن آجال تحيين التصاميم، ومصير الملفات المعلقة، والحلول المؤقتة التي يمكن اعتمادها في إطار القانون؟
إن الإدارة التي يُفترض أن تكون في خدمة المواطن مطالبة بتوضيح أسباب التعثر، وتحديد المسؤوليات، ونشر جدول زمني لمعالجة الملفات، بدل ترك الأسر تواجه الغموض وتتحمل وحدها كلفة الانتظار، فالسكن ليس ترفاً، وتبسيط المساطر لا ينبغي أن يبقى شعاراً إدارياً لا يلمسه المواطن في حياته اليومية.
وتطالب المذكرة بتحيين تصاميم التهيئة بجماعات ميسور وأوطاط الحاج وبولمان وكيكو، إلى جانب إحداث شباك وحيد متنقل للتعمير يقرّب الخدمات من المواطنين ويساعد على تسريع معالجة طلبات الإصلاح والبناء.
الماء الصالح للشرب.. حق أساسي أم مطلب مؤجل؟
الأكثر إثارة للقلق في المذكرة هو ما تذكره بشأن استمرار غياب الربط المنزلي بالماء الصالح للشرب عن دواوير آيت لحسن وآيت ورياش، ودواوير أخرى بجماعات المرس وكيكو وسكورة وآيت بازة وسرغينة.
وفي سياق يتسم بتزايد الضغط على الموارد المائية، تصبح هذه المطالب أكثر إلحاحاً، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على الفلاحة المعيشية وتواجه صعوبات اقتصادية ومناخية متزايدة.
فكيف يمكن الحديث عن تنمية قروية مستدامة بينما لا تزال أسر، وفق ما تؤكده المذكرة، تنتظر الاستفادة من الربط المنزلي بالماء؟ وأين وصلت البرامج المائية الموجهة إلى هذه المناطق؟ وما الذي يمنع تسريع المشاريع، إن كانت مبرمجة، أو إدراج الدواوير التي لم تستفد بعد ضمن مخططات واضحة التمويل والآجال؟
هذه أسئلة لا ينبغي أن تضيع وسط تبادل المسؤوليات بين المؤسسات. والمطلوب ليس تقديم وعود جديدة، بل الكشف عن الوضعية الفعلية لكل دوار، وحصر الخصاص، وتحديد المشاريع الممكنة، والإعلان عن آجال التنفيذ والجهات المسؤولة عنه.
ولهذا تطالب الساكنة بإدراج الدواوير المعنية ضمن برنامج للربط الفردي بالماء الصالح للشرب خلال سنتي 2026 و2027، مع تعبئة الموارد المالية اللازمة وتنسيق تدخلات القطاعات المختصة.
هجرة الشباب وإفراغ القرى.. فاتورة التنمية المتعثرة
لا تقف تداعيات هذه الاختلالات، كما تعرضها المذكرة، عند حدود الماء والتعمير، بل تمتد إلى الهجرة المتزايدة للشباب، وتراجع النشاط القروي، والصعوبات التي تواجه التنقل خلال فصل الشتاء بسبب وضعية المسالك الطرقية.
إن استمرار ضعف الخدمات الأساسية يهدد بجعل الهجرة خياراً اضطرارياً أمام فئات من الشباب، لا اختياراً حراً بحثاً عن فرص أفضل. وحين تغادر الكفاءات والطاقات الشابة مناطقها، تتراجع فرص إحياء الاقتصاد المحلي، وتزداد هشاشة القرى التي تحتاج إلى الاستثمار والخدمات وفرص الشغل.
ولا يمكن معالجة هذا النزيف بخطابات موسمية عن فك العزلة أو تشجيع العالم القروي. المطلوب برامج ملموسة لصيانة الطرق والمسالك، وتحسين الولوج إلى المدارس والمرافق الصحية، وتوفير الماء، وتيسير الاستثمار والسكن، مع إخضاع المشاريع للتتبع والتقييم، فهل تتحمل الجهات المعنية مسؤوليتها في وقف هذا النزيف، أم ستظل القرى مطالبة بالصبر بينما تتآكل مقومات الاستقرار فيها؟
ثلاثة مطالب.. والاختبار يبدأ من التنفيذ
وضعت المذكرة ثلاثة مطالب مركزية أمام المسؤولين: تحيين تصاميم التهيئة وتسهيل مساطر التعمير، وبرمجة الربط الفردي بالماء الصالح للشرب للدواوير المحرومة، وإيفاد لجنة مشتركة من القطاعات المعنية للوقوف على حجم الخصاص واقتراح حلول عملية.
وهي مطالب واضحة في اتجاهها العام، وتحتاج إلى أجوبة مؤسساتية لا تحتمل المراوغة: ما الذي يمكن تنفيذه فوراً؟ وما المشاريع التي تحتاج إلى تمويل إضافي؟ وما الآجال المحددة لمعالجة الملفات؟ ومن سيتولى التنسيق بين المتدخلين ومحاسبة الجهات التي تتأخر في تنفيذ التزاماتها؟
إن تشكيل لجنة أو عقد اجتماع لن يكون، في حد ذاته، إنجازاً ما لم تُترجم نتائجه إلى إجراءات معلنة ومشاريع قابلة للقياس. فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص بقدر حاجته إلى الماء في منزله، وطريق سالكة، ومساطر إدارية واضحة، وفرص تحفظ لأبنائه حقهم في البقاء بكرامة داخل مناطقهم.
الوحدة الوطنية تحتاج إلى عدالة مجالية
تمنح مناسبة عيد الوحدة الوطنية هذه المذكرة بعداً يتجاوز المطالب المحلية، لأنها تعيد التذكير بأن قوة الوحدة لا تنفصل عن الإنصاف في توزيع الخدمات والفرص، فلا ينبغي أن تتحول المسافة عن المراكز الحضرية إلى عقوبة اجتماعية، ولا أن يصبح الانتماء إلى منطقة قروية سبباً في تأخر الولوج إلى حقوق أساسية.
وتظل الكرة اليوم في ملعب المؤسسات المعنية لتقديم أجوبة واضحة، والاستماع إلى الساكنة، والتحقق من الاختلالات التي تطرحها المذكرة، ثم الإعلان عن إجراءات عملية لمعالجتها، كما أن حق المواطنين في الترافع والمطالبة بالخدمات يقابله واجب المؤسسات في التواصل والشفافية وتوضيح ما تحقق وما تعذر وأسباب ذلك.
“بولمان لا يطلب صدقة، بل يطالب بحقه في التنمية والكرامة”، تلك هي الرسالة الأبرز التي تختزلها المذكرة، وتضع المسؤولين أمام مسؤولية الانتقال من الاحتفاء الرمزي بالوحدة إلى تجسيدها في حياة المواطنين.
فإما أن تتحول المطالب إلى برنامج عمل واضح ومحدد الآجال، وإما أن يستمر السؤال المؤلم: كيف يمكن الحديث عن عدالة مجالية حقيقية بينما لا تزال بعض الدواوير تنتظر خدمات أساسية يفترض أن تكون في متناول الجميع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد