أرض طابولة بتطوان تفجّر تناقضات “البيجيدي”.. بيان للدفاع عن إدعمار يفتح جبهة جديدة من الأسئلة

هبة زووم – حسن لعشير
أعاد ملف العقار المثار حول المنطقة الخضراء بحي طابولة، عند مدخل مدينة تطوان، الجدل بشأن تدبير العقار والتعمير إلى الواجهة، بعدما دخل فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس الجماعة على خط القضية ببيان عبّر فيه عن قلقه إزاء ما أثارته الساكنة من تساؤلات حول شروع مقاول في أشغال البناء فوق بقعة يُقال إنها كانت مخصصة لفضاء أخضر.
الفريق الذي تساءل عن ظروف الترخيص بالبناء، وعن دور الجماعة والسلطات المحلية في مراقبة احترام التخصيص العمراني للعقار، وجد نفسه لاحقاً أمام انتقادات بسبب بيان آخر دافع فيه عن الرئيس السابق للجماعة، محمد إدعمار، وردّ على ما نشره أحد الصحفيين بشأن القطعة الأرضية موضوع الجدل.
وهنا تتجاوز القضية مجرد تبادل للبيانات والتوضيحات، لتطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً حول مدى انسجام مواقف الفريق: كيف يمكن التعبير عن القلق إزاء البناء فوق مساحة يُعتقد أنها مخصصة للمنفعة العامة، ثم الانتقال إلى الدفاع عن مسار العقار استناداً إلى معطيات تتعلق بتجزئة الوقاية ومشروع سمسة–درسة، من دون تقديم توضيحات حاسمة بشأن الوضعية القانونية الدقيقة للقطعة المعنية؟
في بيان وصفه بأنه توضيح للحقيقة، قال حزب العدالة والتنمية بتطوان إن القطعة الأرضية رقم 48 تابعة لتجزئة الوقاية المنجزة في إطار مشروع سمسة–درسة، الذي أُطلق سنة 1993، مشيراً إلى أن المشروع جاء بعد سلوك مسطرة نزع الملكية، استناداً إلى المرسوم رقم 2.92.339 الصادر في 9 يونيو 1992.
وأضاف البيان أن الاستفادة من البقعة تعود إلى سنة 1994، وأن ثمنها حُدد وفق السعر الذي اعتمده المجلس آنذاك بالنسبة إلى قطع العمارات، أي 1700 درهم للمتر المربع، مع أداء المبلغ على أقساط، بحسب ما أورده الحزب.
غير أن هذه المعطيات، حتى إن كانت صحيحة بشأن القطعة التي يتحدث عنها البيان، لا تكفي وحدها لحسم الجدل حول العقار الذي أثارته الساكنة، فالنقطة الأساسية التي تحتاج إلى توضيح هي ما إذا كانت القطعة رقم 48 هي نفسها المساحة التي يعرفها السكان باعتبارها منطقة خضراء بحي طابولة، أم أن الأمر يتعلق بعقارين مختلفين جرى الخلط بينهما في سياق السجال الإعلامي والسياسي.
كما أن الإشارة إلى مسطرة نزع الملكية أو إلى ثمن الاستفادة لا تحسم، في حد ذاتها، الوضعية العمرانية الحالية للعقار، ولا تجيب عن سؤال التخصيص الذي كان مقرراً له، أو عن مدى قانونية الترخيص بالبناء فوقه. فهذه مسائل لا يمكن حسمها بالبيانات وحدها، وإنما بالرجوع إلى وثائق الملكية والتخصيص والتصميم المعتمد ورخصة البناء والقرارات الإدارية ذات الصلة.
الانتقادات الموجهة إلى فريق العدالة والتنمية بتطوان تركز على ما يعتبره منتقدون تناقضاً بين موقفه الأول، الذي أثار تساؤلات بشأن الترخيص بالبناء فوق مساحة يُنظر إليها باعتبارها فضاءً أخضر، وموقفه اللاحق الذي دافع فيه عن محمد إدعمار، الرئيس السابق للجماعة، واعتبر ما نُشر بشأنه تضليلاً إعلامياً.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين التناقض السياسي المثبت وبين الاختلاف في تحديد العقار موضوع النزاع. فإذا كان الحزب يتحدث عن قطعة أرضية تابعة لتجزئة الوقاية، بينما يتعلق اعتراض الساكنة بمساحة أخرى بحي طابولة، فإن المطلوب هو تقديم ما يثبت هذا التمييز بوضوح. أما إذا كانت القطعتان عقاراً واحداً، فإن الأسئلة المتعلقة بتاريخ التفويت والتخصيص والترخيص تصبح أكثر إلحاحاً.
وفي الحالتين، لا يكفي وصف ما نشره الصحفي بأنه أكاذيب أو تضليل، كما لا يكفي إطلاق اتهامات بشأن تفويت عقار للخواص من دون وثائق حاسمة. فالحسم يقتضي نشر المعطيات العقارية والتعميرية ذات الصلة، وتوضيح تسلسل القرارات التي خضع لها العقار، والجهات التي اتخذتها، والأساس القانوني الذي استندت إليه.
إن جوهر القضية لا ينبغي أن يضيع وسط التجاذبات الحزبية وتبادل الاتهامات. فالموضوع يتعلق بعقار أثار نقاشاً حول حماية الفضاءات الخضراء وشفافية تدبير المجال الحضري، وهي قضايا تهم ساكنة تطوان بصرف النظر عن هوية المسؤولين أو الأحزاب المعنية.
ومن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كانت القطعة موضوع الأشغال مصنفة فعلاً منطقة خضراء، وما إذا كان تخصيصها قد تغير، ومتى تم ذلك، وبأي قرار، وهل صدرت رخصة بناء مطابقة للوثائق التعميرية المعتمدة. كما أن من حق الرئيس السابق للجماعة وحزب العدالة والتنمية تقديم روايتهما والوثائق التي يستندان إليها، على أن تخضع المعطيات نفسها للتحقق والمقارنة مع السجلات الرسمية.
وبين بيان يثير أسئلة حول الترخيص، وآخر يدافع عن المسار التاريخي للعقار، تظل الحاجة قائمة إلى توضيح موثق يضع حداً للتأويلات المتضاربة. فالمساحات الخضراء ليست تفصيلاً هامشياً في التخطيط الحضري، كما أن حماية سمعة الأشخاص لا تتحقق بمجرد نفي الاتهامات، بل بتقديم الأدلة التي تسمح للرأي العام بفهم حقيقة الملف.
في نهاية المطاف، لن تحسم قضية طابولة حدة البيانات ولا قوة الاتهامات، بل الوثائق الرسمية التي تكشف هوية العقار، وتاريخ ملكيته وتخصيصه، والأساس القانوني لأي ترخيص بالبناء فوقه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد