هبة زووم – الرباط
لم تحمل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في قراءة الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، مؤشرات كافية على القطيعة مع الممارسات السياسية السابقة، بل بدت له أقرب إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه بوجوه مألوفة وتغييرات محدودة، رغم تنظيم انتخابات تشريعية يفترض أن تفتح المجال أمام تجديد النخب وربط المسؤولية بالاختيار الشعبي.
وفي تدوينة نقدية حادة تفاعل فيها مع الإعلان عن الحكومة الجديدة، تساءل اليحياوي عن جدوى الانتخابات إذا انتهت، في نظره، إلى استمرار الوجوه ذاتها في مواقع القرار، معتبراً أن التغيير الذي ينتظره المواطنون لا ينبغي أن يقتصر على انتقال رئاسة الحكومة من صيغة المذكر إلى المؤنث، بينما تظل قواعد تدبير السلطة وآليات توزيع المناصب على حالها.
ويختزل هذا الموقف جوهر الاعتراض الذي يطرحه الباحث: هل تشكل الحكومة الجديدة تعبيراً عن تحول سياسي أفرزته صناديق الاقتراع، أم أنها استمرار لمنطق الاستمرارية الذي يجعل الانتخابات محطة دورية لا تترجم بالضرورة إلى تغيير ملموس في تركيبة السلطة؟
انتقد اليحياوي استمرار عدد من الوجوه الحكومية التي راكمت سنوات طويلة في مناصب المسؤولية، واصفاً إياها، بسخرية، بأنها «طيور نادرة» بحكم قدرتها على البقاء في مواقعها رغم تعاقب المراحل الحكومية.
وفي نظره، فإن استمرار بعض الوزراء في مواقعهم، إلى جانب تثبيت أسماء سبق لها تحمل المسؤولية، يثير أسئلة بشأن معايير الاختيار والتجديد، ومدى ارتباط التعيين الحكومي بتقييم الأداء والحصيلة، لا بمجرد الاستمرارية أو الاعتبارات السياسية التي تحكم تشكيل الأغلبية.
فالمشكل، وفق هذه القراءة، لا يتعلق فقط بالأسماء التي غادرت الحكومة أو تلك التي احتفظت بحقائبها، بل بطبيعة الرسالة التي يبعث بها التشكيل الجديد إلى الناخبين: هل تتم مكافأة الأداء والنجاح في تدبير الشأن العام، أم أن الاستوزار يظل محكوماً بحسابات تتجاوز ما أفرزته صناديق الاقتراع؟
أكثر النقاط إثارة في تدوينة اليحياوي تتعلق بتعيين وزراء سبق لهم الترشح في الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، من دون أن ينجحوا في نيل مقاعد برلمانية.
ويرى الباحث أن وصول مرشح لم يحظ بثقة الناخبين إلى منصب وزاري يخلق مفارقة سياسية تستحق النقاش، خصوصاً عندما يُقدَّم الاختيار الشعبي باعتباره أساساً للتمثيل الديمقراطي. فكيف يمكن إقناع المواطنين بأهمية أصواتهم إذا انتهى الأمر ببعض من لم ينتخبهم الناخبون إلى تولي مسؤوليات حكومية؟
ومن منظور اليحياوي، فإن هذا الوضع يضعف، سياسياً، الرسالة التي يفترض أن تحملها الانتخابات، ويغذي الشعور بأن صناديق الاقتراع ليست العامل الحاسم دائماً في تحديد من يتولى المسؤولية العامة.
لكن من الناحية القانونية والمؤسساتية، ينبغي التمييز بين الخسارة في الانتخابات وعدم الأهلية لتولي منصب وزاري. فعدم الفوز بمقعد برلماني لا يمنع، في حد ذاته، تعيين الشخص وزيراً إذا استوفى الشروط القانونية المعمول بها.
لذلك، فإن موضع الاعتراض هنا سياسي وديمقراطي بالأساس، ويتصل بمدى الانسجام بين الاختيار الحكومي والإشارة التي بعث بها الناخبون، لا بمجرد مشروعية التعيين من الناحية القانونية.
وذهب اليحياوي أبعد من ذلك حين ربط بين تعيين مرشحين لم ينجحوا انتخابياً وبين احتمال شعورهم بالمرارة تجاه من رفضوهم في صناديق الاقتراع، متوقعاً أن يترك هذا المسار جرحاً سياسياً قد يؤثر في العلاقة بين المسؤولين والمواطنين.
غير أن هذا الجزء من التدوينة يظل تقديراً سياسياً يعبر عن تخوف الباحث، ولا يمكن اعتباره حكماً مسبقاً على سلوك الوزراء المعنيين أو نياتهم. فالمحاسبة الديمقراطية تقتضي تقييم أداء المسؤولين بناءً على قراراتهم وممارساتهم الفعلية، لا على افتراض أنهم سيتعاملون بعدائية مع ناخبين لم يصوتوا لهم.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرحه هذا التخوف يظل وجيهاً: كيف يمكن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات إذا شعروا بأن رفضهم الانتخابي لا ينعكس على مسارات الوصول إلى المسؤولية؟ وكيف يمكن إقناع الناخب بأن صوته مؤثر، إذا كانت التعيينات السياسية قادرة على فتح أبواب أخرى أمام مرشحين لم يفوزوا؟
في ختام موقفه، يضع اليحياوي حكومة المنصوري أمام ما يعتبره مفارقة بين استمرار الوجوه الحكومية، وتثبيت وزراء سابقين، ووصول مرشحين لم يحققوا الفوز الانتخابي إلى مناصب وزارية، متسائلاً بحدة عن حدود ما وصفه بـ«بهدلة الديمقراطية».
وتكشف هذه القراءة عن إشكال يتجاوز الحكومة الحالية إلى طبيعة العلاقة بين الانتخابات وتشكيل السلطة التنفيذية. فالشرعية القانونية للتعيين تظل مسألة، ومدى انسجام الاختيارات الحكومية مع تطلعات الناخبين مسألة أخرى. وقد يكون التعيين مستوفياً للشروط الدستورية والقانونية، لكنه يظل قابلاً للنقد السياسي إذا بدا منفصلاً عن مطلب تجديد النخب أو عن الرسائل التي حملتها نتائج الاقتراع.
في المحصلة، يضع اليحياوي حكومة المنصوري أمام اختبار يتجاوز تركيبة الوزراء وأسماء الحقائب: اختبار قدرتها على إقناع المواطنين بأن الانتخابات ليست مجرد موعد لتجديد المؤسسات شكلياً، وأن التغيير لا يُقاس بجنس رئيس الحكومة أو بتبديل بعض الوجوه، بل بمدى احترام الإرادة الانتخابية، وتجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم حصيلة ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
تعليقات الزوار