هبة زووم – الرباط
أثار مشروع قانون المالية لسنة 2027 نقاشاً دستورياً جديداً، بعدما اعتبر الأستاذ الجامعي والقيادي بحزب العدالة والتنمية عبد الحفيظ اليونسي أن المسطرة المعتمدة حالياً في إعداده وتقديمه تطرح إشكالاً دستورياً، محذراً من أن بعض التأويلات قد تفضي إلى توسيع موقع السلطة التنفيذية على حساب الاختصاصات الدستورية لمجلس النواب والإرادة الشعبية.
وفي قراءة قانونية وسياسية لمركز الحكومة قبل تنصيبها من طرف مجلس النواب، دعا اليونسي إلى اعتماد قراءة شمولية للنص الدستوري، بعيداً عن التأويلات التي يرى أنها قد تمنح بعض المؤسسات أو الفاعلين صلاحيات لا يسندها النص الدستوري بشكل صريح.
واستند المتحدث إلى الفصل الأول من الدستور، الذي ينص على أن نظام الحكم بالمغرب ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، معتبراً أن طبيعة النظام البرلماني تقتضي استحضار مسؤولية الحكومة أمام الملك والبرلمان، وكذا العلاقة بين التنصيب النيابي وإمكانية سحب الثقة من الحكومة عبر ملتمس الرقابة بمجلس النواب.
ويرى القيادي المصباحي أن حصر ملتمس الرقابة في مجلس النواب، مقابل إمكانية حل هذا المجلس وفق الشروط والإجراءات الدستورية المحددة، يعكس توازناً مؤسساتياً ينبغي احترامه، محذراً من أن أي قراءة تتجاوز هذا التوازن قد تؤدي، بحسب تقديره، إلى إضعاف موقع المؤسسة التشريعية في صناعة القرار العمومي.
وفي معرض تفكيكه للإطار القانوني المنظم لعمل الحكومة، استحضر المتحدث المواد 36 و37 و38 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، معتبراً أن الاختصاصات التي يمكن للحكومة مباشرتها قبل تنصيبها من طرف مجلس النواب تظل، وفق قراءته، ذات طبيعة تنظيمية وتدبيرية، ولا ينبغي توسيعها لتشمل ما يثير إشكالات تتصل بالاختصاص التشريعي.
ومن هذا المنطلق، يطرح الأستاذ الجامعي اليونسي سؤالاً حول مدى انسجام المسطرة المعتمدة لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 مع المركز القانوني للحكومة في المرحلة المعنية، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة تحترم الحدود الفاصلة بين الاختصاصات التنفيذية والتشريعية، كما رسمها الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة.
كما اعتبر أن استحضار قرار المجلس الدستوري رقم 13/931 في هذا النقاش لا يستقيم، من وجهة نظره، بالنظر إلى اختلاف السياق الذي صدر فيه القرار، والذي ربطه بحالة حكومة معدلة خلال الولاية التي ترأسها عبد الإله بنكيران. ويرى أن الاستناد إلى ذلك القرار في مناقشة المسطرة الحالية يحتاج إلى تبرير قانوني يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النازلة وسياقها الدستوري والمؤسساتي.
ولتعزيز موقفه، استحضر الأستاذ الجامعي محطات من التجارب الحكومية السابقة، مشيراً إلى أن أول مجلس وزاري في عهد حكومة عبد الإله بنكيران انعقد، وفق المعطيات التي أوردها، يوم 7 فبراير 2012، بعد تنصيب الحكومة من طرف مجلس النواب في 26 يناير من السنة نفسها.
كما أشار إلى أن أول مجلس وزاري في عهد حكومة سعد الدين العثماني انعقد في 25 يونيو 2017، بعد تنصيبها نيابياً في 26 أبريل 2017، بينما انعقد أول مجلس وزاري في عهد حكومة عزيز أخنوش يوم 17 أكتوبر 2021، بعد تنصيبها من طرف مجلس النواب في 13 أكتوبر من السنة ذاتها.
واعتبر المتحدث أن هذه السوابق تستحق الاستحضار عند مناقشة حدود ممارسة الاختصاصات الحكومية قبل التنصيب النيابي، غير أن الحسم في مدى حجيتها القانونية يظل رهيناً بمقارنة دقيقة بين الوضعيات الدستورية والقانونية لكل حكومة، وطبيعة الإجراءات التي اتخذتها، والمقتضيات المؤطرة لإعداد مشروع قانون المالية.
وفي خلاصته، حذر القيادي بالعدالة والتنمية مما وصفه بالسعي إلى إضفاء طابع رئاسي على تنزيل مقتضيات الدستور، معتبراً أن ذلك قد يضعف التوازن بين السلط ويزيد من تهميش دور مجلس النواب، بما يمس الثقة في المؤسسات وفي قدرة الإرادة الشعبية على التأثير في القرار العمومي.
وربط المتحدث هذه المخاوف بالنقاش السياسي حول علاقة حزب الأصالة والمعاصرة بمفهوم التحكم، معتبراً أن النازلة الحالية، في تقديره، تثير مؤشرات تستوجب الانتباه. وهي قراءة سياسية تعكس موقفه من التطورات الجارية، ولا تشكل في حد ذاتها حكماً قضائياً أو قراراً دستورياً بشأن سلامة المسطرة المعتمدة.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول حدود الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة، ومدى احترام التوازن بين السلط في الممارسة اليومية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقانون المالية، باعتباره من أهم النصوص التي تؤطر اختيارات الدولة الاقتصادية والاجتماعية وتحدد توجهات الإنفاق العمومي.
وفي انتظار توضيحات رسمية أو اجتهاد دستوري يحسم الجدل، يبقى التحدي الأساسي هو تقديم تعليل قانوني واضح للمسطرة المعتمدة، وتحديد الأساس الدستوري الذي تستند إليه، بما يضمن احترام الاختصاصات المؤسساتية ويحول دون تحول الخلاف القانوني إلى مجرد سجال سياسي بين الأغلبية والمعارضة.
تعليقات الزوار