هبة زووم – علال الصحراوي
في الوقت الذي تواصل فيه أسعار المواد الاستهلاكية إنهاك القدرة الشرائية للمغاربة، تعود الحكومة الجديدة إلى طرح إصلاح أسواق الجملة باعتباره أحد المداخل الأساسية لمعالجة الغلاء، من خلال إحداث منصات جهوية متعددة المنتجات، وتحديث البنيات اللوجستية، ورقمنة مسارات السلع، ومراجعة نظام الوكلاء الذي تحول، بحسب التصريح الحكومي، في عدد من الأسواق إلى حلقة ريعية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يحتاج المغاربة إلى أسواق جملة جديدة حتى تنخفض الأسعار، أم إلى مراقبة فعلية للأسواق، ومحاربة المضاربة والاحتكار، ووضع حد لتعدد الوسطاء الذين يرفعون الأسعار على حساب المستهلكين؟
فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في تقادم البنايات أو ضعف التجهيزات وحدهما، بل في طريقة اشتغال منظومة التسويق والتوزيع، ومدى خضوع المتدخلين فيها للمراقبة والمحاسبة. وتجديد الأسواق، مهما بلغت أهميته، لن يكون عصاً سحرية لإنهاء الغلاء إذا ظلت الاختلالات نفسها قائمة، واستمرت حلقات الوساطة في التحكم في مسار المنتجات من الضيعة إلى مائدة المواطن.
منصات حديثة.. ولكن ماذا عن الأسعار؟
رئيسة الحكومة عرضت أمام مجلسي البرلمان، خلال جلسة عمومية مشتركة، توجّه الحكومة نحو تعويض أسواق الجملة المتقادمة تدريجياً بمنصات جهوية متعددة المنتجات، تضم فضاءات للخضر والفواكه والأسماك واللحوم والمواد الغذائية، مع تجهيزها بمخازن مبردة ومحطات للفرز والتوضيب ومختبرات للمراقبة.
كما يتضمن المشروع اعتماد نظام رقمي يسمح بتتبع مصدر السلع وكمياتها وأسعار دخولها وخروجها، إلى جانب مراجعة نظام استخلاص الإيرادات، لتصبح مرتبطة بكراء الفضاء والخدمات المقدمة فعلياً، بدلاً من الرسوم النسبية التي قد ترفع الكلفة دون خدمة مقابلة.
وهي إجراءات يمكن أن تسهم في تحسين الشفافية وتنظيم مسارات التوزيع، شريطة أن تتحول إلى أدوات فعلية لكشف الاختلالات، لا مجرد تجهيزات تقنية تضاف إلى البنية التحتية للأسواق.
فما الجدوى من مختبرات متطورة وأنظمة رقمية لتتبع السلع إذا لم تُترجم المعطيات التي توفرها إلى مراقبة للأسعار، وكشف للممارسات المخالفة، وترتيب للمسؤوليات عند ثبوت الاحتكار أو التلاعب بالفواتير أو التهرب من الالتزامات القانونية؟
“الفراقشية”.. الحلقة التي لا يكفي تحديث البنايات لتجاوزها
تقر الحكومة، وفق التصريح المعروض، بأن نظام الوكلاء تحول في عدد من أسواق الجملة إلى حلقة ريعية، وتتعهد بمراجعته، مع فصل الجباية المحلية عن إلزامية المرور المادي بالسوق.
وهنا تحديداً يكمن أحد الاختبارات الحقيقية للإصلاح المعلن؛ لأن تفكيك مظاهر الريع لا يتحقق بمجرد تغيير شكل السوق أو نقل التجار إلى منصات جديدة، بل يقتضي إعادة تنظيم قواعد الولوج إلى الأسواق، وضمان المنافسة، والحد من تضارب المصالح، وتشديد الرقابة على الممارسات التي ترفع كلفة المنتجات دون مبرر اقتصادي واضح.
كما أن محاربة ما يُعرف شعبياً بـ«الفراقشية» لا ينبغي أن تتحول إلى شعار للاستهلاك السياسي، بل إلى برنامج واضح يستهدف كل ممارسة غير قانونية تثبت مساهمتها في المضاربة أو الاحتكار أو التلاعب بالأسعار، دون تعميم الاتهامات على التجار والوسطاء الذين يشتغلون في إطار القانون.
فالمطلوب ليس استهداف حلقة واحدة وإعفاء باقي حلقات سلسلة التوزيع من المساءلة، وإنما تتبع مسار المنتجات منذ خروجها من الضيعات ووحدات الإنتاج إلى وصولها إلى المستهلك، وتحديد هوامش الوساطة وتكاليف النقل والتخزين والرسوم، وكشف مواطن الاختلال التي تسمح بتضخم الأسعار.
المواطن يريد انخفاض الفاتورة.. لا مجرد مشاريع جديدة
تعتزم الحكومة، كذلك، إعداد قانون جديد ينظم أسواق الجملة، ويحدد شروط إنشائها وتدبيرها، سواء من طرف القطاع العام أو الخاص، ويوضح اختصاصات الدولة والجماعات الترابية والجهات، فضلاً عن وضعية تجار الجملة وحقوق الولوج المباشر إلى الأسواق.
لكن نجاح هذا الإصلاح لن يُقاس بعدد المنصات التي ستُبنى، ولا بحجم الاستثمارات التي ستُرصد، ولا بعدد التطبيقات الرقمية التي ستُعتمد، بل بمدى انعكاسه على الأسعار التي يؤديها المواطن عند اقتناء حاجياته اليومية.
فالمغاربة لا ينتظرون فقط أسواقاً حديثة ومخازن مبردة وأنظمة معلوماتية متطورة، بل يريدون معرفة لماذا ترتفع أسعار بعض المنتجات رغم وفرة الإنتاج في فترات معينة، ولماذا تتسع الفجوة أحياناً بين أسعار البيع عند المنتج والأسعار النهائية في الأسواق، ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات التي تثقل كاهل الأسر.
وهذه الأسئلة تستدعي نشر معطيات دورية عن تطور الأسعار وهوامش التسويق وتكاليف التوزيع، إلى جانب تكثيف عمليات المراقبة، وتفعيل العقوبات القانونية عند ثبوت المخالفات، وإخضاع الإصلاح لتقييم معلن يقيس أثره الحقيقي على القدرة الشرائية.
الامتحان الحقيقي: من الوعود إلى المحاسبة
إن تحديث أسواق الجملة قد يكون خطوة ضرورية لإصلاح منظومة التوزيع، لكنه لا يعفي الحكومة من واجبها المباشر في مراقبة الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وحماية المنافسة، وضمان وصول المنتجات إلى المستهلك بأثمنة معقولة.
كما أن نجاح المشروع يظل رهيناً بوضوح قواعد التدبير، وشفافية الصفقات والاستثمارات، ومنع إعادة إنتاج مظاهر الريع داخل المنصات الجديدة، حتى لا تتحول البنيات الحديثة إلى واجهات مكلفة لمنظومة تحتفظ بالاختلالات القديمة نفسها.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى وعود إضافية بقدر ما يحتاج إلى نتائج ملموسة يشعر بها في مصروفه اليومي. فالحكومة التي تجعل إصلاح أسواق الجملة مدخلاً لمحاربة الغلاء مطالبة بأن تثبت بالأرقام والمعطيات أن هذه الإصلاحات ستقلص فعلاً تكاليف الوساطة وتحد من المضاربة وتنعكس على أسعار البيع.
لأن محاربة الغلاء لا تبدأ من الإسمنت والحديد وحدهما، بل من ضبط السوق، وتجفيف منابع الريع، وتطبيق القانون على الجميع. أما إذا بقيت الأسعار مرتفعة بعد تشييد المنصات وتحديث التجهيزات، فسيكون من حق المغاربة أن يسألوا: من استفاد من الإصلاح، ومن دفع فاتورته؟
تعليقات الزوار