هبة زووم – طنجة
لا يحتاج المواطن الطنجاوي إلى تقرير اقتصادي مطوّل حتى يدرك أن قدرته الشرائية تتآكل يوماً بعد آخر؛ فمجرد جولة في الأسواق ومحلات بيع الخضر والفواكه والمواد الأساسية كافية لكشف حجم الضغط الذي باتت تتحمله ميزانيات الأسر، دخل محدود، ومصاريف متزايدة، وسلة مشتريات تتقلص باستمرار، في مقابل أسعار لا تجد كثير من الأسر تفسيراً مقنعاً لمسار ارتفاعها.
وأمام هذا الواقع، تفقد التصريحات الرسمية بشأن مراقبة الأسعار ومحاربة الاحتكار الكثير من معناها حين لا يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. فالطنجاويون لا يحتاجون إلى بلاغات تطمئنهم بقدر ما يحتاجون إلى إجراءات ملموسة تحد من الاختلالات، وتكشف أسباب ارتفاع الأسعار، وتضمن أن تصل المواد الأساسية إليهم بأثمنة تراعي قدرتهم الشرائية.
لم يعد السؤال المطروح في طنجة مقتصراً على أسباب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، بل امتد إلى مدى نجاعة آليات المراقبة، وحجم تدخل اللجان المختصة، وقدرتها على تتبع مسار المنتوج من مصدره إلى نقطة بيعه النهائية.
فحين تتكرر شكاوى المستهلكين من غلاء الخضر والفواكه والمواد الأساسية، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى انتظام عمليات المراقبة، وطبيعة المخالفات التي يجري رصدها، وعدد المحاضر المنجزة، والإجراءات المتخذة في حق المخالفين، ومدى انعكاس ذلك على الأسعار المعروضة في الأسواق.
إن وجود لجان للمراقبة لا يكفي وحده لإثبات فعالية تدخلها؛ فالمعيار الحقيقي هو ما تحققه هذه اللجان من نتائج ملموسة، وما إذا كانت قادرة على حماية المستهلك من الممارسات المخالفة للقانون، وضمان احترام شروط البيع والإشهار عن الأسعار وجودة المنتجات وسلامتها.
لا تتشكل الأسعار داخل محلات البيع بمعزل عن باقي حلقات التسويق. فالفلاح قد يواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج، والنقل يتأثر بمصاريف المحروقات، والتاجر الصغير يتحمل بدوره أعباء الكراء والتوزيع، بينما يجد المستهلك نفسه أمام السعر النهائي من دون أن تتوفر لديه معطيات واضحة تشرح كيفية تحديده.
لكن تعدد هذه الحلقات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح لاستمرار الغلاء، ولا إلى ذريعة لإعفاء أي طرف من المسؤولية حين تثبت مخالفته للقانون، والمطلوب هو تتبع مسار السلع، وفهم الفوارق بين أسعار البيع عند المنتج وأسعار الجملة والتقسيط، ورصد تطور الهوامش التجارية، والتحقق مما إذا كانت التخفيضات في كلفة الشراء تنعكس فعلاً على الأسعار التي يؤديها المستهلك.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما لا تتراجع أسعار البيع بالسرعة نفسها التي ترتفع بها، وهو ما يستدعي معطيات دقيقة ومقارنات موثقة، بدل الاكتفاء بالانطباعات أو توجيه اتهامات عامة إلى التجار دون أدلة.
وسبق لمجلس المنافسة أن تناول وضعية المنافسة في مسالك توزيع المواد الغذائية، وأثارت خلاصاته النقاش بشأن تطور الهوامش التجارية لدى بعض الفاعلين ودورها في دينامية التضخم الغذائي. وهي معطيات تبرز أهمية مراقبة بنية الأسواق وشروط المنافسة، من دون أن تعني أن جميع التجار يمارسون سلوكيات مخالفة أو أن كل ارتفاع في الأسعار ناتج عن الاحتكار.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب بطنجة ليس البحث عن متهم جاهز، بل تفعيل مراقبة دقيقة وشفافة تستند إلى الوقائع، وتحدد المسؤوليات حيثما ثبتت المخالفات، وتضع حداً لأي استغلال غير مشروع لحاجة المواطنين إلى المواد الأساسية.
وفي ظل استمرار الضغط على ميزانيات الأسر، يبرز سؤال جوهري حول مدى التنسيق بين المصالح المختصة في مراقبة الأسعار، والسلطات المحلية، والمصالح المكلفة بحماية المستهلك والمنافسة. كما تبرز الحاجة إلى إطلاع الرأي العام على نتائج حملات المراقبة، وطبيعة الاختلالات المسجلة، والإجراءات المتخذة لمعالجتها، في حدود ما يسمح به القانون.
فالمواطن الطنجاوي لا ينتظر تدخلاً موسمياً أو حملات ظرفية سرعان ما يتراجع أثرها، بل يحتاج إلى مراقبة منتظمة وفعالة، وإلى شفافية في تتبع الأسعار، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
وفي النهاية، لا تقاس جدية محاربة الغلاء بعدد الاجتماعات أو البلاغات، وإنما بمدى حماية المستهلك من الممارسات غير القانونية، وتعزيز المنافسة، وضمان وضوح الأسعار. أما استمرار معاناة الأسر، فيجعل سؤال النجاعة مطروحاً بإلحاح: إذا كانت لجان المراقبة تتحرك، فأين النتائج التي يشعر بها المواطن في سوقه اليومي؟
تعليقات الزوار