هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى ملف الصراع السعودي الحوثي، من زاوية تتجاوز تبادل الضربات العسكرية، ليفتح نقاشاً حاداً حول جدوى الإنفاق العسكري الخليجي، وحدود الاعتماد على الحماية الأميركية، وقدرة الثروة النفطية على توفير أمن مستدام في منطقة ظلت لعقود مسرحاً للتوترات والحروب.
وفي تدوينة جديدة، يطرح اليحياوي سؤالاً مباشراً بشأن الترسانة العسكرية السعودية التي راكمتها المملكة على مدى سنوات، متسائلاً عن جدوى مليارات الدولارات التي أنفقتها على شراء الأسلحة، في ظل ما يصفه باستمرار قدرة الحوثيين على تهديد أهداف سعودية، من منشآت الطاقة إلى المطارات والمواقع العسكرية.
ويضع الباحث هذا السؤال في قلب مفارقة يعتبرها لافتة: كيف يمكن لدولة تنفق أموالاً ضخمة على التسلح، وتعقد شراكات عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة، أن تجد نفسها أمام تهديدات أمنية يصعب احتواؤها بصورة نهائية؟
اليحياوي لا يكتفي بالتشكيك في فعالية الترسانة السعودية، بل يوجه انتقاده أيضاً إلى العلاقة الأمنية مع واشنطن، متسائلاً عن جدوى التحالف مع قوة عسكرية كبرى إذا لم يتحول هذا التحالف إلى ضمانة فعلية ضد التهديدات.
ويعيد هذا الطرح النقاش إلى طبيعة الشراكات الدفاعية بين دول الخليج والولايات المتحدة، التي تقوم على صفقات تسليح وتعاون عسكري وتدريب وتنسيق أمني. غير أن امتلاك أحدث الأسلحة لا يعني بالضرورة القدرة على منع كل هجوم أو تحييد جميع التهديدات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصواريخ ومسيّرات منخفضة الكلفة نسبياً، وبخصم يعتمد أساليب قتالية غير تقليدية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه التدوينة لا يتعلق فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل بمدى ملاءمة العقيدة الدفاعية، وكفاءة أنظمة الرصد والاعتراض، والقدرة على حماية المنشآت الحيوية، فضلاً عن كلفة الحروب الطويلة على الاقتصاد والمجتمع.
وفي قراءته للمواجهة، يعتبر اليحياوي أن الحوثيين أظهروا قدرة على الاستمرار في القتال رغم التفوق العسكري والمالي للطرف المقابل، ويرى أن التجربة اليمنية تكشف حدود الرهان على القوة وحدها لحسم النزاعات.
لكن توصيف المشهد الميداني يحتاج إلى التمييز بين القدرة على تنفيذ هجمات مؤثرة وبين السيطرة العسكرية الشاملة. كما أن الحديث عن عجز الدفاعات السعودية عن صد الصواريخ لا يمكن تعميمه من دون بيانات دقيقة بشأن الهجمات التي وقعت، ونسب اعتراضها، وحجم الأضرار التي خلفتها.
أما القول إن الحوثيين قد يفرضون حصاراً أشد على السعودية عبر باب المندب، فيبقى سيناريو يطرحه اليحياوي، وليس نتيجة محسومة. فالمضيق يشكل ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة، وأي اضطراب واسع فيه ستكون له انعكاسات إقليمية ودولية تتجاوز أطراف النزاع المباشرين.
الشق الثاني من تدوينة اليحياوي يركز على الدور الأميركي، إذ يتساءل عما إذا كانت واشنطن قد دفعت الرياض إلى مسار مكلف، مع استمرار اعتمادها على السلاح الأميركي وعلى الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
ويعكس هذا السؤال نقاشاً أوسع حول طبيعة التحالفات الدولية: هل تضمن صفقات السلاح الحماية المطلقة، أم أنها جزء من علاقة استراتيجية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية؟
فالعلاقات الدفاعية لا تعني أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً بالطريقة نفسها في كل أزمة، كما أن الدول التي تشتري الأسلحة تظل مسؤولة عن تحديد أهدافها الاستراتيجية، وطبيعة الحروب التي تخوضها، وكلفة استمرارها.
وبذلك، فإن المساءلة التي يفتحها اليحياوي تمتد إلى صناع القرار أنفسهم: هل جرى تقدير كلفة الحرب اليمنية ومخاطرها بصورة واقعية؟ وهل كانت النتائج متناسبة مع الموارد البشرية والمالية التي استنزفتها سنوات المواجهة؟
أكثر عبارات التدوينة حدة هي وصف اليحياوي لدول الخليج بأنها «دول من كرتون»، في انتقاد مباشر لما يعتبره نموذجاً قائماً على الوفرة النفطية والمظاهر الاستهلاكية والرفاه المادي، من دون امتلاك ضمانات كافية للأمن والاستقرار.
هذا التوصيف يعبر عن موقفه النقدي، لكنه لا يشكل وحده تقييماً شاملاً لقدرات الدول الخليجية أو مؤسساتها. فهذه الدول تختلف في مواردها وسياساتها الدفاعية وأدوارها الإقليمية، كما أن الثروة النفطية لا تعني تلقائياً ضعف الدولة، مثلما أن الإنفاق العسكري الكبير لا يضمن بالضرورة تحييد المخاطر.
ومع ذلك، تظل الفكرة الأساسية التي يثيرها اليحياوي جديرة بالنقاش: **هل يمكن بناء أمن مستدام بالاعتماد على المال وصفقات السلاح وحدهما، أم أن الأمن يحتاج أيضاً إلى تسويات سياسية، وعلاقات مستقرة مع الجوار، وقدرة على تجنب الحروب المكلفة؟**
فالتجربة اليمنية، بما حملته من خسائر إنسانية واقتصادية، تبرز أن التفوق في الموارد والتكنولوجيا لا يضمن وحده نهاية النزاعات، وأن الحروب قد تتحول إلى استنزاف طويل عندما تغيب التسويات السياسية القابلة للاستمرار.
في المحصلة، لا تتوقف تدوينة اليحياوي عند انتقاد السعودية أو التشكيك في فعالية التحالف الأميركي، بل تطرح سؤالاً أوسع عن العلاقة بين الثروة والقوة والأمن في الشرق الأوسط.
فهل تقاس قوة الدول بما تملكه من أسلحة ومليارات، أم بقدرتها على حماية مواطنيها ومنشآتها، وتجنب الحروب التي تستنزف مواردها، وبناء علاقات إقليمية تقلل من احتمالات المواجهة؟
إنها أسئلة تتجاوز السجال بشأن الحوثيين والسعودية، لتضع نموذج الأمن الإقليمي نفسه أمام الاختبار: **هل تستطيع دول المنطقة الانتقال من سباق التسلح إلى بناء منظومة استقرار، أم ستظل الثروة تُنفق على الحروب بينما يدفع المدنيون ثمن استمرارها؟**
تعليقات الزوار