هبة زووم – حسون عبدالعالي
لا تكمن معضلة السياسات العمومية داخل الجماعات الترابية دائماً في ضعف الموارد أو محدودية الاختصاصات؛ بل إن أزمتها الهيكلية الأعمق تتجسد في الطريقة السريالية التي يُمارس بها القرار السياسي داخل الإدارة الجماعية.
فحين يتجاوز المنتخب دوره الاستراتيجي المحدد قانوناً في رسم الاختيارات الكبرى، لينغمس بشكل مرضي في تفاصيل التسيير اليومي، تتماهى الحدود الفاصلة بين السياسة والإدارة، ويسقط المرفق العمومي في مستنقع “التدبير المزاجي والظرفي” على حساب منطق “المؤسسة والاستمرارية”.
إن الديمقراطية المحلية تقوم أساساً على ثنائية متكاملة ومؤطرة بالترسانة القانونية لبلادنا: منتخب يستمد شرعيته السياسية من الصناديق ، وإدارة تستمد شرعيتها المهنية من قانون الوظيفة العمومية ومساطر الاختصاص. والمشكل التدبيري لا يبدأ من حضور السياسة في الإدارة – فهذا أمر طبيعي – وإنما ينفجر عندما تتحول الشرعية الانتخابية إلى مبرر وشماعة للتدخل في التعيينات، والتنكيل الإداري، والتنقيلات الانتقامية، وتوزيع المهام بناءً على الولاءات الحزبية. وهنا يظهر بوضوح خرق صريح لروح القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي جاء ليفصل بوضوح بين المهام التقريرية للمنتخب والمهام التنفيذية والتدبيرية الموكولة قانوناً إلى إدارة الجماعة تحت إشراف “مدير المصالح”.
وتتجلى أخطر ارتدادات هذا “التسييس الهجين” في إضعاف وتدجين الموظف الجماعي؛ فالموظف المهني، الذي يفترض فيه تقديم الرأي التقني والقانوني الجريء، يجد نفسه تحت وطأة ضغوط وتوجيهات شفهية فوقية تدفعه إلى الصمت أو توقيع قرارات لا يملك سلطة صياغتها. والمفارقة هنا مخزية.
فعندما تنجح تلك المشاريع المحلية يُنسب النجاح للرئيس والمجلس في الدعاية الانتخابية، وعندما تتعثر وتصطدم برقابة المفتشية العامة للإدارة الترابية (IGAT)، تلتفت آلة المحاسبة للبحث عن كبش فداء داخل الجهاز الإداري، ليتحمل الموظف الكلفة الأكبر لقرار لم يشارك في صنعه.
إن تحويل الموارد البشرية الجماعية إلى “خزان” لتدبير التوازنات الحزبية وتوزيع المكافآت أو العقاب الانتخابي، يضرب مبدأ “استمرارية المرفق العام” في مقتل.
فالسياسة متغيرة بتغير المجالس، أما الإدارة فهي الثابت المستمر. وتحويل جهازها إلى امتداد للصراعات الدائرية يراكم عدم الاستقرار ويُفقد المرفق جاذبيته. إن السياسي القوي والرشيد ليس هو من يدير كل صغيرة وكبيرة ويلغي اختصاص الأطر، بل هو من يحدد الرؤية ويفوض التنفيذ ويحاسب على النتائج والأثر، تاركاً مساحة مهنية كافية للخبرة التقنية لتشتغل في إطار الشفافية والوضوح.
بناءً عليه، فإن التنزيل السليم للحكامة الترابية يستوجب الانتقال القطعي من منطق الأشخاص والتعليمات الشفهية، إلى منطق المؤسسات والاختصاص المكتوب.
فالجماعة الترابية ليست ملكاً للأغلبية المنتخبة، إنها مؤسسة عمومية تخدم المواطنين وتخضع لرقابة القانون والدولة. وعندما تفشل سياسة محلية، يجب ألا يكون سؤالنا الأول : «مَن الموظف الذي نفّذ؟»، بل: «مَن حدد الأولوية؟ مَن صاغ الاختيار دون دراسة مخاطر؟ ومن تلاعب بالموارد؟».
إن قوة السياسة المحلية لا تُقاس بمدى هيمنة السياسي على الموظف، بل بقدرة المؤسسة ككل على تحويل القرارات إلى نماء ملموس دون أن تفقد الإدارة مهنيتها وحيادها، ودون أن يتهرب المنتخب من مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن اختياراته.
تعليقات الزوار