“بين الفاسد والأفسد؟”.. تدوينة نارية ليحيى اليحياوي تضع الحكومة أمام مرآة المساءلة

هبة زووم – الرباط
بلهجة نقدية حادة، اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي أن يضع ملف الاستوزار ومعايير اختيار أعضاء الحكومة في قلب المساءلة السياسية والأخلاقية، من خلال تدوينة قوية تسائل منطق منح المناصب الحكومية، في ظل ما أثير بشأن بعض المسؤولين من شبهات تضارب المصالح وملفات قضائية وإشكالات مرتبطة بالنزاهة وتدبير المال العام.
واستهل اليحياوي تدوينته بعبارة لاذعة تختزل، في نظره، مفارقات المشهد السياسي المغربي: «على قدر أهل النصب تأتي المناصب… وتأتي على قدر الخداع المكاسب»، معتبراً أن هذا البيت الشعري بات، بحسب توصيفه، أقرب إلى تشخيص واقع يثير الكثير من الأسئلة حول معايير الاستوزار ومدى احترام شروط الاستحقاق والنزاهة في تقلد المسؤوليات العمومية.
ووجّه الباحث الأكاديمي انتقادات إلى الطريقة التي يُختار بها بعض أعضاء الحكومة، مستحضراً حالتين قال إنهما تثيران علامات استفهام بشأن معايير الانتقاء والمساءلة.
وتتعلق الأولى، وفق ما أورده في تدوينته، بوزير منتدب لم ينجح في الظفر بمقعد برلماني، قبل أن يتولى منصباً حكومياً، والثانية بوزيرة منتدبة أثير بشأنها ملف قضائي، معتبراً أن ملابسات القضية تطرح أسئلة حول مدى ملاءمة تعيينها للمسؤولية الحكومية.
ولم يقف اليحياوي عند حدود انتقاد التعيينات، بل أثار ما وصفه بعودة النقاش حول وثائق مرتبطة بالمجلس الأعلى للحسابات، قال إنها تطرح تساؤلات بشأن احتمال وجود تضارب للمصالح بين حزب سياسي ومكتب للدراسات، فضلاً عن طبيعة الدراسات المنجزة ومدى استجابتها للمعايير المنهجية والمهنية المطلوبة. وهي معطيات تستوجب، في حال ثبوتها، توضيحاً رسمياً وتدقيقاً مؤسساتياً يحدد المسؤوليات ويكشف حقيقة الوقائع.
كما أشار إلى أن نفي المعنيين لما راج بشأنهم لم ينهِ الجدل، في ظل استمرار تداول معطيات ووثائق على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا النوع من المعطيات، مهما بلغت قوة تداولها، يظل بحاجة إلى التحقق من أصالته وسياقه ومضمونه، وإلى تقييم المؤسسات المختصة، بعيداً عن تحويل الاتهامات المتداولة إلى أحكام نهائية.
وفي مقطع أكثر حدة، تساءل اليحياوي عن «اللعنة» التي أصابت المشهد السياسي حتى يصبح، وفق تعبيره، الاختيار بين مسؤولين تحوم حول بعضهم شبهات تتعلق بالنزاهة أو تضارب المصالح.
كما عبّر عن استيائه مما اعتبره تراجعاً في الاعتداد بالكفاءة والاستقامة عند إسناد المسؤوليات الحكومية، متسائلاً عما إذا كانت البلاد قد وصلت إلى مرحلة يُدفع فيها الرأي العام إلى المفاضلة بين الأسوأ والأكثر سوءاً.
وتعيد هذه التدوينة النقاش إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في تدبير الشأن العام: هل يكفي أن يستوفي المرشح لمنصب حكومي الشروط السياسية والتنظيمية حتى يتولى المسؤولية، أم أن الاستوزار ينبغي أن يخضع أيضاً لمعايير صارمة تتعلق بالنزاهة والشفافية وتدبير تضارب المصالح؟
إن المسؤولية الحكومية ليست امتيازاً حزبياً ولا مكافأة سياسية، بل تكليف عمومي يفترض أن يقوم على الكفاءة والاستقامة والقدرة على تدبير الملفات وفق قواعد القانون والحكامة الجيدة. كما أن ثقة المواطنين في المؤسسات لا تُبنى بالنفي والتوضيح وحدهما، وإنما بوجود آليات فعالة للتحقق والمساءلة، كلما ظهرت معطيات جدية تستدعي التدقيق.
وبين حدة الانتقاد الذي عبّر عنه اليحياوي وضرورة الاحتكام إلى المؤسسات المختصة، يبقى جوهر الإشكال مطروحاً بإلحاح: كيف يمكن إرساء معايير واضحة وشفافة لاختيار الوزراء، تضمن تكافؤ الفرص، وتمنع تضارب المصالح، وتجعل النزاهة والكفاءة شرطين أساسيين لتولي المسؤولية، لا مجرد شعارات تُستحضر عند اشتداد الجدل؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد