مراكش مدينة تُدار بـ”الرخص” وتُدفن فيها المساءلة والعمدة المنصوري أصبحت جزاء من أزمة لا حلا لها

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مراكش، لا حاجة للبحث الطويل عن مظاهر الفساد، فهي لا تَختبئ خلف المكاتب المغلقة، بل تخرج للعلن في الأرصفة المتآكلة، والصفقات الغامضة، وفي تلك الوجوه “الفرِحة” أمام الكاميرات وهي تروّج لمشاريع تنمية لا وجود لها إلا في بلاغات العلاقات العامة.
واللافت، أن ما كان يُعتقد يوماً إشاعة أو مجرد اتهامات من خصوم سياسيين، صار اليوم واقعًا يتنفسه الشارع، ويتهامس به الناس في المقاهي والحافلات وحتى داخل مؤسسات الدولة نفسها.
عهد فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة المجلس الجماعي ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير، بات يُعرّف من طرف شريحة واسعة من المراكشيين بـ”مرحلة الخيبة”، لا لشيء سوى لأن المدينة التي كانت تُوصف بلؤلؤة السياحة والثقافة باتت اليوم أسيرة بيروقراطية مشلولة، وسلطوية مُغلفة بالابتسامات الرسمية.
الفساد في مراكش لم يعد خفياً. المواطن العادي يعرف الأسماء التي تدور حولها الشبهات. بعضها صار لها ألقاب في الإعلام المحلي والوطني: “مول الصفقات”، “زعيمة الرخص”، “قاهر الصندوق”، فيما صار آخرون أيقونات للصفقات الموجهة، والمصالح الضيقة، وخرق القانون بتواطؤ مفضوح.
ومع ذلك، فإن تحريك المساطر القضائية يبدو وكأنه مؤجل إلى أجل غير مسمى، أو إلى حين تتغير موازين القوى داخل “الباطيو” السياسي.
المثير في كل هذا، هو هذا الإيقاع الغريب في التعامل مع ملفات الفساد، حيث تُعلن التوقيفات، تُستدعى الأسماء، وتُلتقط الصور في مكاتب التحقيق، لكن سرعان ما يدخل كل شيء في سبات عميق، وكأن الملفات أُصيبت بأزمة قلبية مفاجئة أو أن العدالة استسلمت لمناخ التواطؤ العام.
تصريحات العمدة المنصوري لم تعد تُقنع حتى أولئك الذين صوتوا لها. فهي تَعد بالمحاسبة ولا تحاسب، تتحدث عن التنمية ولا تُحققها، وتدعو إلى الشفافية وهي تُدير الشأن العام بعقلية انتقائية.
ومن المفارقات، أنها وزيرة في الحكومة وفي ذات الوقت رئيسة جماعة كبرى، لكنها لم تُقدّم نموذجاً يُحتذى به لا في المستوى الوطني ولا المحلي، بل تحوّلت إلى صورة باهتة لمسؤول يُجيد الخطابة ولا يُتقن الفعل.
الساكنة في مراكش تشعر اليوم بأنها مُحاصَرة. انهيار في الخدمات، ركود في البنية التحتية، وتردٍّ في الحكامة. حتى الفضاءات العامة التي كانت تُمثل متنفسًا لأهل المدينة باتت ضحية سوء التدبير أو الإهمال المقصود.
في كل هذا، يبقى سؤال واحد يطفو على السطح: لماذا لا تتحرك العدالة؟ لماذا تُستثنى مراكش من منطق المحاسبة؟ وهل هناك إرادة سياسية حقيقية لفتح الملفات الثقيلة التي تتعلق بالصفقات المشبوهة والاختلالات المزمنة؟
الجواب، بالنسبة لكثيرين، ليس في البرلمان أو في التقارير الوزارية، بل في حديث المقهى، حيث يُلخص مواطن بسيط المشهد كله بقوله: “هادي ماشي مدينة… هادي صفقة مفتوحة وما بقاتش فيها حتى قهوة بلا رشوة”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد