هبة زووم – القنيطرة
في حكم قضائي يُعد صفعة قوية لمنهجية التدبير المحلي بجماعة القنيطرة، أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط قراراً بإلزام الجماعة بأداء مبلغ 1,545,113 درهم لفائدة مقاول متخصص في أشغال البناء والتشييد، بالإضافة إلى استرجاع قيمة الضمان المالي البالغة 108,000 درهم، في قضية تعكس عمق الاختلالات التدبيرية التي ترافق تنفيذ الصفقات العمومية بالإقليم.
وجاء هذا الحكم عقب دعوى رفعها المقاول أمام المحكمة، أكد فيها أنه فاز بصفقة بناء مركز اجتماعي تربوي ورياضي وقاعة متعددة التخصصات بثانوية الحريري بالساكنة ببلدية القنيطرة، وقد بدأ فعلياً في تنفيذ الأشغال فور توقيع الصفقة ووضع الضمانة النهائية، قبل أن تفاجئه مصالح الجماعة بأوامر متكررة بوقف الأشغال دون مبرر قانوني مقنع، مما تسبب له في أضرار مالية وتعاقدية جسيمة أثقلت كاهل مقاولة كانت تراهن على الإنجاز في وقت قياسي.
وكشف المقاول في حيثيات دعواه أن جماعة القنيطرة ظلت تمتنع عن أداء مستحقاته المالية رغم وجود كشف حساب نهائي وإنذارات متكررة، آخرها بتاريخ 11 دجنبر 2024، مشيراً إلى أن هذا الإمتداد الزمني للمشكل يغطي فترة رئاسة السابق أناس البوعناني وصولاً إلى العهد الحالي برئاسة أمينة حروزى، وهو ما حول الملف إلى قضية تراكم إداري سلبي أدى إلى تمديد الآجال التعاقدية وإلحاق ضرر مباشر بالمقاول الذي وجد نفسه أمام إخلال صريح بالالتزامات التعاقدية من طرف الشريك العمومي.
وبعد دراسة مستفيضة لملف القضية والتقارير المرفقة، أبرزت محكمة الاستئناف الإدارية حق المقاول في الحصول على مستحقاته المالية كاملة، معتبرة أن الجماعة لم تف بالتزاماتها وفق بنود العقد الموقع، وهو ما يؤكد صحة ادعاءات المقاول بشأن سوء التسيير الذي طال تنفيذ المشروع، حيث اعتبرت المحكمة أن تأخر الأداء وأوامر الوقف التعسفية شكلت خرقاً للتعاقد يستوجب التعويض ورد الاعتبار للمقاول المتضرر.
ويطرح هذا الحكم القضائي إشكالية كبرى حول مصير المال العام ومدى نجاعة آليات المراقبة الداخلية بجماعة القنيطرة، خاصة وأن التعويضات المالية التي ستؤديها الجماعة ستُستخلص في النهاية من ميزانية التسيير التي كان من الممكن توجيهها لخدمات أخرى تهم المواطن، مما يحول أخطاء التدبير إلى فاتورة باهظة يؤدي ثمنها دافعو الضرائب بدلاً من محاسبة المتسببين الحقيقيين في هذا الهدر.
وليس هذا فحسب، بل إن الاستمرارية الزمنية للمشكلة، التي امتدت من عهد الرئيس السابق إلى الحالي تحت يافطة حزب التجمع الوطني للأحرار، تضع مسؤوليات جسيمة على عاتق القيادة الحزبية والمؤسسات المنتخبة، وتؤكد أن سوء التسيير ليس حالة فردية عابرة بل قد يكون منهجية تحتاج إلى مراجعة شاملة، خاصة في ظل تكرار مثل هذه القضايا التي تمس مصداقية التدبير المحلي وتُضعف ثقة المتعاملين الاقتصاديين مع المؤسسة الجماعية.
وفي خضم هذه المعطيات، تبرز الحاجة الماسة لتدخل سلطات الوصاية قبل فوات الأوان، ليس فقط لتنفيذ الحكم القضائي، بل لفتح تحقيق إداري ومالي في ملابسات هذا الملف وغيره من الملفات العالقة، لضمان حماية المال العام وردع أي إهمال أو تقصير قد يؤدي إلى إهدار موارد الجماعة، لأن استمرار ثقافة الإفلات من المحاسبة سيحول الجماعات المحلية إلى بؤر لهدر الموارد بدلاً أن تكون قاطرة للتنمية المحلية.
فحكم محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ليس مجرد قرار قضائي ينهي نزاعاً بين طرفين، بل هو جرس إنذار يدق بقوة لجماعة القنيطرة وكل الجماعات التي تُدار بنفس المنطق، مفاده أن العقود شريعة المتعاقدين، وأن الإخلال بها له ثمن باهظ، وأن المواطن ينتظر من مسؤوليه حماية المال العام لا تبديده في تعويضات كان يمكن تجنبها بحسن التدبير والالتزام بالوعود.
تعليقات الزوار