هبة زووم – آسفي
عادت جماعة احرارة إلى واجهة التساؤلات المرتبطة بالتعمير ومراقبة المنشآت، بعدما أعلنت المنظمة المغربية للحقوق والحريات إعداد مراسلات موجهة إلى السلطات والمصالح المختصة، تطالب من خلالها بفتح بحث إداري وتقني بشأن الوضعية القانونية والتعميرية لعدد من المنشآت والأشغال والتجهيزات القائمة بالمنطقة، والتحقق من طبيعة استغلالها ومدى مطابقتها للرخص والتصاميم والوثائق المعتمدة.
وتضع هذه المبادرة الجهات المعنية أمام مسؤولية توضيح حقيقة الوضع، بعيداً عن منطق الانتقائية أو الاكتفاء بالمراقبة الشكلية، خصوصاً في ظل ما تطرحه ظاهرة انتشار المستودعات العشوائية من أسئلة حول احترام ضوابط البناء والتعمير، ومدى تطبيق القانون بالمعايير نفسها على مختلف المشاريع، بصرف النظر عن حجمها أو هوية أصحابها.
وبحسب بلاغ المنظمة، فإن طلب البحث يستند إلى معطيات ووثائق وصور ميدانية وجوية توصلت بها، وترى أنها تستدعي معاينة رسمية وفحصاً تقنياً يحددان طبيعة الأنشطة الممارسة، والاستعمالات المسموح بها، ومدى احترام ضوابط البناء والتهيئة والاستغلال، فضلاً عن شروط السلامة وحماية البيئة متى كانت مطلوبة قانوناً.
وفي سياق النقاش حول تدبير المجال العمراني بإقليم آسفي، تبرز مسألة مدى جدية السلطات الإقليمية في مواجهة تنامي المستودعات العشوائية والتصدي لأي اختلالات قد تكشف عنها عمليات المراقبة، ويظل الرهان المطروح هو الانتقال من الشعارات العامة بشأن محاربة البناء غير القانوني إلى إجراءات ميدانية واضحة، تستند إلى المعاينة والوثائق والقرارات المعللة.
ومن هذا المنطلق، يبرز دور العامل الفطاح، إلى جانب باقي المصالح المختصة، في ضمان التنسيق الإداري وتفعيل الاختصاصات القانونية، بما يكفل تطبيق ضوابط التعمير على الجميع دون تمييز، فالمطلوب ليس استهداف مشروع بعينه أو إصدار أحكام مسبقة بشأن منشآت لم يُحسم في وضعيتها، بل اعتماد مراقبة موضوعية تفضي إلى نتائج واضحة، وترتب المسؤوليات متى ثبتت المخالفات.
ويظل السؤال الذي تطرحه هذه القضية مشروعاً: هل ستفضي مراسلات المنظمة إلى معاينة ميدانية فعلية، ونتائج معلنة في حدود ما يسمح به القانون، أم سيبقى الملف رهين تبادل المراسلات وانتظار الأجوبة الإدارية؟
وفي موقف يراعي قرينة البراءة، شددت المنظمة المغربية للحقوق والحريات على أن مطالبتها بالتحقق لا تعني ثبوت أي مخالفة، وأن الصور والمعطيات المتوفرة لا يمكن أن تعوض البحث الإداري والتقني، ولا تبرر توجيه اتهامات إلى أي طرف قبل ظهور النتائج الرسمية.
واستندت المنظمة إلى مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور، وإلى ما يقرره الفصل الخامس والثلاثون بشأن حماية الملكية وحرية المبادرة، مؤكدة أن حماية الاستثمار المشروع لا تتعارض مع المراقبة، بل تتعزز بالشفافية والأمن القانوني ووحدة معايير الترخيص والتتبع.
وطالبت بإيفاد لجنة إدارية وتقنية مختلطة لإجراء معاينة ميدانية، وفحص التصنيف التعميري والرخص والتصاميم والموافقات ذات الصلة، ومقارنة الوثائق بما هو منجز فعلياً، كما دعت إلى التحقق من مدى الحاجة إلى تراخيص أو وثائق إضافية تفرضها طبيعة النشاط، بما فيها الوثائق المرتبطة بالاستغلال المقلعي عند الاقتضاء، دون افتراض وجود هذا النشاط مسبقاً.
ودعت المنظمة كذلك إلى ترتيب الآثار القانونية المناسبة وفق ما ستسفر عنه المعاينة، مع احترام الاختصاصات والمساطر وحقوق الدفاع والتناسب، وموافاتها بجواب كتابي معلل يوضح نتائج التحقق ومآل الإجراءات المتخذة، في حدود المعلومات التي يسمح القانون بإتاحتها.
إن جوهر هذا الملف لا يكمن في مجرد وجود مراسلات أو صور متداولة، وإنما في قدرة المؤسسات المختصة على تحويل طلب التحقق إلى مسار إداري وتقني جدي وشفاف، يحدد الوضعية القانونية للمنشآت المعنية، ويضمن عدم الإفلات من المساءلة عند ثبوت المخالفة، وفي الوقت نفسه يحمي أصحاب المشاريع من الاتهامات غير المؤسسة.
فإذا كانت السلطات مطالبة بالتصدي للبناء العشوائي واحترام ضوابط التعمير، فإن المصداقية تقتضي أن تشمل المراقبة مختلف المنشآت وفق المعايير القانونية نفسها، دون انتقائية أو استثناءات غير مبررة.
وبين مطالب المنظمة وانتظار الرأي العام، تبقى الكرة في ملعب الجهات المختصة، التي يُنتظر منها توضيح مآل المراسلات، والتحقق من الوقائع، واتخاذ ما يلزم وفق القانون، أما الحسم في أي مخالفة، فيظل رهين نتائج البحث الرسمي، لا الصور وحدها ولا الاتهامات المتداولة.
ففي احرارة، كما في غيرها من المناطق، لا تُقاس جدية محاربة البناء العشوائي بعدد البلاغات أو التصريحات، وإنما بمدى انتظام المراقبة، ووضوح القرارات، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
تعليقات الزوار