هبة زووم – الرباط
في نقد لاذع لما يعتبره تضخماً في سوق تحليل الخطابات الملكية، وجّه الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي انتقادات حادة إلى عدد من المحللين والخبراء والصحفيين الذين يتولون تفكيك مضامين الخطابات الملكية، معتبراً أن بعضهم لا يكتفي بشرح ما قيل، بل يذهب إلى استنطاق ما لم يُقَل، والبحث عن رسائل مفترضة بين السطور، حتى يصبح التأويل أحياناً أكثر حضوراً من الخطاب نفسه.
وفي تدوينة جديدة، يرى اليحياوي أن الخطاب الملكي الموجّه إلى افتتاح البرلمان جاء، بحسب تقديره، قصيراً ومباشراً وواضحاً، ولا يحتاج إلى وسطاء لفهم مضمونه. غير أنه يلاحظ أن هذا الوضوح سرعان ما يتحول، بعد انتهاء الخطاب، إلى مادة لتأويلات متشعبة، تستحضر المسكوت عنه والتلميحات المفترضة والرسائل الموجهة إلى أطراف غير مسماة.
ويضع الباحث إصبعه على ظاهرة يعتبرها مثيرة للجدل في المشهد الإعلامي والسياسي، تتمثل في تحول بعض البرامج والتعليقات إلى ما يشبه سباقاً لاستخراج معانٍ خفية من الخطاب، حتى عندما لا يقدم النص نفسه ما يكفي لإسناد تلك القراءات. وفي هذه الحالة، يصبح المحلل، وفق انتقاد اليحياوي، كأنه يمتلك مفاتيح حصرية لفهم ما قصده صاحب الخطاب، بينما يُقدَّم المتلقي العادي باعتباره عاجزاً عن إدراك المعنى المباشر.
لا يقتصر انتقاد اليحياوي على كثرة القراءات، بل يمتد إلى ما يراه مبالغة في صناعة المعاني وإسناد مقاصد غير معلنة إلى الخطاب. فبدل الانطلاق من العبارات الواردة فيه، وسياقها، والرسائل السياسية والمؤسساتية التي تحملها، ينشغل بعض المحللين، بحسب التدوينة، بتقديم فرضيات متتالية حول ما لم يُذكر صراحة، وكأن كل عبارة تخفي وراءها رسالة سرية أو توجهاً موجهاً إلى جهة بعينها.
ويحذر هذا النقد، في جوهره، من الخلط بين التحليل القائم على القرائن والتأويل الذي يتجاوز حدود النص. فليس كل ما لم يرد في الخطاب دليلاً على وجود رسالة مضمنة، كما أن اختلاف القراءات لا يمنح أي محلل حق تقديم استنتاجاته باعتبارها المعنى الوحيد أو النهائي لما قيل.
ومع ذلك، فإن تحليل الخطاب السياسي لا يقتصر بالضرورة على القراءة الحرفية، إذ يمكن للسياق وتوقيت التصريحات وطبيعة الجمهور المستهدف أن تساعد في فهم دلالاتها. لكن الإشكال يظهر عندما تتحول هذه العناصر إلى مبرر لإطلاق أحكام قطعية بشأن نوايا غير معلنة، من دون أدلة واضحة أو تمييز بين الوقائع والفرضيات.
وفي أقوى مقاطع تدوينته، ينتقل اليحياوي من نقد المنهج إلى مساءلة الأدوار التي يؤديها بعض المتدخلين في المجال الإعلامي، مستعملاً أوصافاً حادة من قبيل “الوسطاء” و”السماسرة” و”صيادي الريع”، وهي تعبيرات تكشف عن رفضه لما يعتبره توظيفاً للتعليق السياسي في إنتاج قراءات متضخمة، قد تمنح أصحابها حضوراً إعلامياً متكرراً من دون أن تضيف بالضرورة قيمة تفسيرية حقيقية.
كما يثير حديثه عن “صحفيي الدعم العمومي” سؤالاً أوسع بشأن استقلالية التحليل الإعلامي، وحدود تأثير المصالح المهنية والاقتصادية في مضمون التعليقات السياسية. غير أن هذه الانتقادات تظل أحكاماً يعبّر عنها صاحب التدوينة، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود مصالح أو ممارسات غير مشروعة لدى أشخاص أو مؤسسات بعينها.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من الدور الذي يفترض أن يضطلع به الإعلام في شرح الخطابات الرسمية للجمهور، لا في إغراقه بتأويلات متنافسة يصعب التحقق منها. فالمطلوب من المحلل ليس ادعاء معرفة ما يدور في ذهن صاحب الخطاب، وإنما تقديم قراءة واضحة تميز بين ما ورد صراحة، وما يمكن استنتاجه استناداً إلى السياق، وما يظل مجرد احتمال يحتاج إلى أدلة إضافية.
تضع تدوينة اليحياوي النقاش أمام سؤال مهني أساسي: هل وظيفة المحلل السياسي هي تبسيط الخطاب وتوضيح مضامينه، أم تحويله إلى مادة مفتوحة لتأويلات لا تنتهي؟ وبين هذين الخيارين، تبرز الحاجة إلى تحليل مسؤول يحترم ذكاء الجمهور، ويعرض الأدلة التي يستند إليها، ويصرح بحدود قراءته بدل تقديم التخمينات في صورة حقائق.
فالمصداقية لا تُقاس بعدد الرسائل الخفية التي يزعم المحلل اكتشافها، ولا بقدرته على إضفاء الغموض على كلام واضح، بل بمدى دقة تفسيره، وانضباطه في التعامل مع النص، واستعداده للتمييز بين المعلومة والاستنتاج والرأي.
وفي نهاية المطاف، فإن التحذير الذي تطرحه التدوينة يتجاوز الأشخاص الذين يعلقون على الخطابات الملكية، ليطال ثقافة التحليل السياسي والإعلامي برمتها: حين يصبح التأويل غاية في حد ذاته، ويتقدم الاستعراض على التفسير، يفقد الجمهور القدرة على التمييز بين ما قيل فعلاً وما أُريد له أن يعتقد أنه قيل.
تعليقات الزوار