“القوة من أجل السلام”.. اليحياوي ينتقد مفارقات خطاب ترامب وموقفه من المحكمة الجنائية الدولية

هبة زووم – الرباط
في تدوينة حادة، اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي وضع التوتر بين دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية تحت مجهر النقد، رابطاً بين منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية والخبيرة القانونية الجنوب إفريقية نافانيثيم «نافي» بيلاي، وبين تصاعد الضغوط الأميركية على مؤسسات العدالة الدولية، في مشهد يطرح أسئلة محرجة حول العلاقة بين القوة السياسية والمساءلة القانونية.
وانطلق اليحياوي من مفارقة يعتبرها كاشفة لتناقضات الخطاب السياسي الأميركي، إذ يرى أن رئيساً يرفع شعار «القوة من أجل السلام» يجد نفسه في مواجهة مؤسسة قضائية دولية بسبب ملفات تتصل بمساءلة مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.
وبنبرة ساخرة، انتقد ما اعتبره سعياً إلى نيل اعتراف دولي بالسلام، بالتوازي مع ممارسة الضغط على جهة قضائية تضطلع بدور في ملاحقة الجرائم الدولية.
وكانت لجنة نوبل النرويجية قد أعلنت، في 9 أكتوبر 2026، منح الجائزة لنافي بيلاي تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ودفاعها الممتد عن حقوق الإنسان ومبدأ المساءلة عن الجرائم الدولية.
وبيلاي قاضية سابقة بالمحكمة الجنائية الدولية، وشغلت أيضاً منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كما اضطلعت بأدوار قضائية وحقوقية دولية متعددة.
وفي خلفية هذا السجال، تستحضر التدوينة المواجهة المتصاعدة بين إدارة ترامب والمحكمة الجنائية الدولية. ففي فبراير 2025، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على أشخاص مرتبطين بعمل المحكمة، مبرراً الخطوة بما وصفه باستهداف غير مشروع للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، على خلفية التحقيقات والإجراءات القضائية التي طالت مسؤولين من البلدين.
وتجددت المواجهة في أكتوبر 2026، مع إعلان واشنطن إجراءات عقابية جديدة ضد المحكمة، وسط مطالب تتعلق بوقف ملاحقات مسؤولين إسرائيليين، وإنهاء تحقيقات مرتبطة بادعاءات ارتكاب جرائم حرب أميركية، وفق ما أوردته تقارير صحفية حديثة، وتثير هذه الخطوات مخاوف بشأن قدرة المحكمة على مواصلة عملها في ظل الضغوط المالية والسياسية التي تواجهها.
ويقرأ اليحياوي هذه التطورات باعتبارها اختباراً لمبدأ المساواة أمام القانون، متسائلاً، في جوهر موقفه، عن جدوى الحديث عن نظام دولي قائم على القواعد إذا كانت المؤسسات القضائية تتعرض للعقوبات عندما تقترب إجراءاتها من مصالح القوى الكبرى أو حلفائها.
وتحتل القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في هذا الجدل، بعدما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في 21 نوفمبر 2024، مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب على غزة، حيث أوضحت المحكمة أن قرارها استند إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن الجرائم المحددة في المذكرات.
لكن اليحياوي ينظر إلى رد الفعل الأميركي من زاوية أوسع، معتبراً أن استهداف المحكمة بسبب إجراءاتها المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين يضع مبدأ استقلال القضاء الدولي أمام اختبار صعب، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع العدالة الدولية ممارسة اختصاصها عندما يتعلق الأمر بأطراف تحظى بحماية سياسية وعسكرية من قوى نافذة؟
وتبلغ تدوينة اليحياوي ذروتها عندما يقارن بين طموح ترامب إلى نيل جائزة نوبل للسلام وبين ما يراه نزوعاً إلى فرض الإرادة عبر القوة والضغط والعقوبات. ويستحضر اسم نيلسون مانديلا، الذي نال الجائزة عام 1993، ليبرز الفارق بين رمزية السلام المرتبطة بمقاومة الاضطهاد والدفاع عن الحقوق، وبين تصور للسلام يرتكز، بحسب نقده، على فرض الشروط وإخضاع المؤسسات المخالفة للمصالح الأميركية.
وبصرف النظر عن حدة التعبيرات التي اختارها الباحث، فإن القضية التي يثيرها تتجاوز السجال الشخصي حول ترامب أو الجدل بشأن جائزة نوبل، لتلامس مستقبل العدالة الدولية وحدود استقلالها أمام موازين القوة.
فالمحكمة الجنائية الدولية لا تملك جهازاً تنفيذياً خاصاً بها يوازي أجهزة الدول، وتعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول في تنفيذ قراراتها، وهو ما يجعل فعاليتها مرتبطة بإرادة سياسية دولية كثيراً ما تتباين من ملف إلى آخر.
وفي المحصلة، يضع اليحياوي التناقض الذي يراه بين خطاب السلام وسياسات الضغط على القضاء الدولي في صلب النقاش، داعياً، من خلال نقده، إلى مساءلة المعايير التي تحكم تعامل القوى الكبرى مع المؤسسات الدولية.
وبينما تبرر واشنطن موقفها بالدفاع عن سيادتها ومصالحها ومصالح حلفائها، يحذر منتقدوها من أن تحويل العقوبات إلى وسيلة للضغط على القضاء قد يضعف مبدأ المساءلة ويعمق أزمة الثقة في النظام الدولي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع العدالة الدولية الحفاظ على استقلالها عندما تصبح قراراتها موضع مواجهة مع القوى الكبرى، أم أن حدود تطبيق القانون ستظل مرتبطة بميزان القوة أكثر من ارتباطها بمبدأ المساواة أمامه؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد