من باطن الأرض إلى ما وراء القمر.. اليحياوي يفكك ملامح العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة

هبة زووم – الرباط
لم تعد الحروب المقبلة تُخطَّط بالاعتماد على الجيوش الجرارة والترسانات التقليدية وحدها، بل باتت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل في صلب الحسابات العسكرية للقوى الكبرى.
ومن هذه الزاوية، قرأ الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي المشروع الأميركي الجديد لاستشراف حروب المستقبل، معتبراً أن واشنطن تعمل منذ الآن على تحديد أدوات التفوق العسكري التي تريد امتلاكها في العقود المقبلة.
وفي تدوينة جديدة، توقف اليحياوي عند مشروع «ميريديان» الذي أُعلن عنه في إطار توجه أميركي يرمي إلى استشراف ميادين القتال المستقبلية، وتحديد المجالات التكنولوجية والعسكرية التي ينبغي للولايات المتحدة تطويرها والسيطرة عليها.
ويستحضر الباحث في هذا السياق الطموح الأميركي إلى تطوير أسلحة وأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والروبوتات المتقدمة، بما يوسع نطاق العمليات العسكرية المحتملة من البيئات تحت الأرض إلى المجالات الفضائية.
وتنسجم هذه القراءة مع ما أعلنه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في 30 شتنبر 2026، حين كشف عن مشروع «ميريديان» لدراسة مستقبل الحرب، بهدف تحديد المجالات والتكنولوجيات التي يتعين على الولايات المتحدة إتقانها لضمان تفوقها العسكري لعقود مقبلة. كما أعلن عن توجه مؤسسات الدفاع الأميركية إلى تعزيز الاعتماد على الأنظمة الروبوتية والقدرات الذاتية التشغيل.
يرى اليحياوي أن الرهان الأميركي يتجاوز تحديث الترسانة العسكرية، ليصل إلى إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه. فالسلاح الذي كان يمثل مصدر التفوق في الحروب السابقة قد يفقد جزءاً من قيمته عندما يصبح الخصم قادراً على استخدام أسراب من الطائرات المسيّرة، وتحليل كميات ضخمة من البيانات، وتوظيف أنظمة ذكية لتحديد الأهداف وتنسيق العمليات بسرعة كبيرة.
وفي هذا السياق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في غرف القيادة، بل أصبح جزءاً من التوجه الاستراتيجي الأميركي لتسريع اتخاذ القرار، وتحسين القدرات الاستخباراتية، وتطوير الأنظمة القتالية، وكانت إدارة ترامب قد أعلنت، في يونيو 2026، عن توجيهات لتسريع إدماج الذكاء الاصطناعي في منظومة الأمن القومي، وتطوير أنظمة أكثر تقدماً، إلى جانب مراجعة السياسات المرتبطة باستقلالية الأسلحة.
ومن هنا تأتي النبرة التحذيرية في تدوينة اليحياوي، الذي يلفت إلى أن الدول التي تكتفي بتكديس الأسلحة التقليدية قد تجد نفسها أمام تحديات جديدة، إذا لم تواكب التحولات التكنولوجية التي تعيد تشكيل ميدان المعركة. فامتلاك المعدات العسكرية لم يعد كافياً وحده لضمان التفوق، ما لم يكن مدعوماً بالبحث العلمي والابتكار والقدرة على تطوير أنظمة متقدمة وتشغيلها وصيانتها.
لا يعني هذا التحول أن الدبابات والمدفعية والطائرات المأهولة فقدت أهميتها، أو أن التكنولوجيا الجديدة قادرة وحدها على حسم جميع الحروب، فالتجارب العسكرية الحديثة تكشف أن الأنظمة المتقدمة تواجه بدورها أعطالاً ومشكلات في الاتصالات والتشغيل والتكيف مع ظروف الميدان، وأن فاعليتها ترتبط بالتدريب واللوجستيك والقيادة والقدرة على دمجها ضمن منظومة عسكرية متكاملة. وقد سلطت تقارير حديثة الضوء على صعوبات تواجهها بعض التجارب الأميركية الرامية إلى الانتقال نحو قوات تعتمد بدرجة أكبر على الذكاء الاصطناعي.
لكن الرهان الأميركي، كما تعكسه المشاريع المعلنة، يقوم على عدم انتظار اكتمال التحول التكنولوجي حتى تبدأ الاستعداد له. فالتخطيط لحروب المستقبل ينطلق من فرضية أن التفوق لن يُحسم فقط بما تمتلكه الجيوش اليوم، بل أيضاً بما تستطيع ابتكاره وتطويره ونشره قبل منافسيها.
ويقرأ اليحياوي هذا التوجه باعتباره رسالة إلى بقية دول العالم مفادها أن الأسلحة التي راكمتها بعض الجيوش على مدى عقود قد لا تكون كافية لمواجهة خصوم يمتلكون قدرات تكنولوجية أكثر تطوراً. وهي خلاصة نقدية تضع الدول أمام سؤال تحديث العقيدة العسكرية، وعدم الاكتفاء بالصفقات الضخمة لاقتناء المعدات، دون الاستثمار الموازي في المعرفة والبحث والتطوير.
وتتجاوز دلالات هذا المشروع حدود التحديث العسكري الأميركي، إذ تثير أسئلة بشأن مستقبل سباق التسلح، ومخاطر توسيع استخدام الأنظمة الذاتية التشغيل في ساحات القتال، ومدى قدرة القواعد القانونية والأخلاقية على مواكبة سرعة التطور التكنولوجي.
فكلما اتسع حضور الذكاء الاصطناعي في الاستهداف واتخاذ القرار العسكري، ازدادت أهمية تحديد المسؤولية عن الأخطاء، وضمان الرقابة البشرية الفعلية، ومنع تحول السرعة التقنية إلى مبرر لتقليص الضوابط التي تحمي المدنيين. كما أن توسيع الاستثمار في الأسلحة المتقدمة قد يدفع القوى المنافسة إلى تسريع برامجها الخاصة، بما يفتح المجال أمام سباق تسلح جديد يصعب ضبط إيقاعه.
وفي المحصلة، تضع تدوينة اليحياوي مشروع «حروب المستقبل» في سياق التحول من سباق على عدد الأسلحة إلى سباق على التكنولوجيا والمعرفة والقدرة على الابتكار. وهي رسالة تتجاوز الولايات المتحدة وحدها، لتطال كل دولة تراهن على القوة العسكرية دون أن تمنح البحث العلمي والتطوير التكنولوجي المكانة التي يستحقانها.
ففي عالم تتغير فيه أدوات الحرب بوتيرة متسارعة، لم يعد السؤال مقتصراً على حجم الترسانة التي تمتلكها الدولة اليوم، بل بات يتعلق بقدرتها على الاستعداد لما قد تصبح عليه الحرب غداً، وبما إذا كان هذا السباق سيؤدي إلى تعزيز الردع أم إلى فتح أبواب جديدة أمام صراعات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للسيطرة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد