أفورار.. مهرجانات بالملايين ونقل مدرسي يثير القلق أين تنتهي أولوية الفرجة وتبدأ مسؤولية التدبير؟

هبة زووم – أزيلال
في أفورار، لا يتعلق النقاش فقط بتنظيم مهرجان أو تخصيص ميزانية للتنشيط الثقافي، بل بترتيب الأولويات في تدبير الشأن المحلي، وحدود قدرة المجلس الجماعي على التوفيق بين الأنشطة الاحتفالية والحاجيات اليومية للساكنة.
فحين تتحدث أصوات محلية عن اعتمادات مالية مهمة تُرصد للتظاهرات الفنية، في مقابل شكاوى بشأن اكتظاظ وسائل النقل المدرسي ومحدودية الخدمات الأساسية، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري: هل تنعكس اختيارات الإنفاق الجماعي فعلاً على الأولويات الأكثر إلحاحاً لدى المواطنين؟
صرخة أحد شباب أفورار الغيورين على بلدته أعادت هذا النقاش إلى الواجهة، من خلال انتقاد ما يعتبره اختلالاً في ترتيب الأولويات لدى المجلس الجماعي، الذي يرأسه مسؤول محلي مطالب، شأنه شأن باقي المنتخبين، بتقديم توضيحات للرأي العام بشأن أوجه صرف المال العام والنتائج التي تحققها البرامج والأنشطة الممولة من الميزانية الجماعية.
ينتقد صاحب هذه الصرخة تخصيص مبالغ قال إنها قد تصل إلى 100 أو 120 مليون سنتيم لتنظيم تظاهرات فنية تمتد لثلاثة أيام، معتبراً أن هذا النوع من الإنفاق يحتاج إلى تقييم موضوعي يقيس أثره الحقيقي على التنمية المحلية، ومدى استفادة شباب البلدة منه، مقارنة بحاجيات أكثر إلحاحاً في مجالات النقل المدرسي والتجهيزات الأساسية وخلق فرص الشغل.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض الثقافة أو الترفيه، فالتنشيط الثقافي والفني يمكن أن يشكل رافعة للجاذبية المحلية ودعامة للاقتصاد السياحي، شريطة أن يُنظم في إطار رؤية واضحة، وأن تخضع نفقاته لمعايير الشفافية والنجاعة، وأن تكون كلفته متناسبة مع الإمكانات المتاحة والأولويات الاجتماعية.
لكن السؤال الذي يستحق جواباً من المجلس الجماعي هو: ما الميزانية الفعلية المخصصة لهذه المهرجانات؟ وما مصادر تمويلها؟ وكيف جرى تحديد أجور الفنانين وتكاليف المنصات والتجهيزات والخدمات اللوجستيكية؟ وهل تتوفر الجماعة على تقارير لتقييم الأثر الاقتصادي والثقافي لهذه التظاهرات؟
إن تقديم هذه المعطيات من شأنه أن ينقل النقاش من تبادل الاتهامات والانطباعات إلى مساءلة مبنية على الأرقام والوثائق، ويتيح للساكنة معرفة ما إذا كانت الأموال المصروفة تحقق الأهداف المعلنة أم أن الأمر يحتاج إلى مراجعة في البرمجة والتدبير.
في المقابل، تبرز شكاوى بشأن ظروف تنقل تلاميذ وتلميذات أفورار، وما يرافقها، وفق ما أورده صاحب النداء، من اكتظاظ داخل بعض وسائل النقل المدرسي. وهي قضية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفصيلاً ثانوياً، لأن سلامة التلاميذ وكرامتهم وحقهم في الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية في ظروف ملائمة تمثل عناصر أساسية في تكافؤ الفرص ومحاربة الهدر المدرسي.
فإذا كانت هذه المعطيات تعكس الوضع الفعلي للنقل المدرسي بالمنطقة، فإن المطلوب هو الوقوف على عدد المستفيدين، والطاقة الاستيعابية للأسطول المتوفر، وحالة المركبات، والمسارات التي تغطيها، ومدى احترام شروط السلامة، فضلاً عن تحديد الحاجيات التي ما تزال غير ملباة.
كما أن المقارنة بين نفقات التظاهرات الفنية وكلفة تعزيز النقل المدرسي تستدعي معطيات دقيقة، لا مجرد حسابات افتراضية. فاقتناء حافلات إضافية أو دعم خدمات النقل يحتاج إلى دراسة للحاجيات وكلفة التشغيل والصيانة والتأمين والموارد البشرية، لكن ذلك لا يعفي المجلس من واجب توضيح ما إذا كانت هذه الحاجيات قد أُدرجت ضمن أولوياته المالية والتنموية.
تتوفر أفورار على مؤهلات طبيعية وموقع يمكن أن يدعما جاذبيتها السياحية والاقتصادية، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى فرص ملموسة يتطلب أكثر من تنظيم سهرات موسمية. فالرهان التنموي يمر عبر تحسين البنية التحتية، وتشجيع المبادرات الاقتصادية المحلية، وتوفير فضاءات للشباب، ودعم المشاريع الصغيرة، وربط الترويج السياحي بمنافع مباشرة لفائدة السكان.
ومن هذا المنطلق، يصبح من حق الساكنة أن تسأل عن الحصيلة التنموية للمجلس الجماعي، وعن المشاريع التي أُنجزت أو تعثرت، وعن البرامج الموجهة للشباب، وعن فرص الشغل التي ساهمت الجماعة في خلقها أو استقطابها. كما يحق لها معرفة ما إذا كانت المهرجانات جزءاً من استراتيجية تنموية متكاملة أم مجرد أنشطة ظرفية تنتهي بانتهاء منصاتها.
وفي المقابل، فإن اتهام أي جهة بتبديد المال العام أو توظيف المهرجانات لصرف الأنظار عن الإخفاقات يحتاج إلى أدلة ومعطيات موثقة، فالمساءلة الجادة لا تقوم على التشكيك المجرد، بل على فحص الميزانيات والصفقات والاتفاقيات، ومقارنة النفقات بالنتائج، وتحديد المسؤوليات على أساس الوثائق والقواعد القانونية.
إن جوهر النقاش في أفورار ليس الاختيار بين الثقافة والتنمية، بل كيفية تدبيرهما معاً دون أن تطغى النفقات الاحتفالية على الخدمات الأساسية، فالمهرجان الناجح ليس بالضرورة ذلك الذي يستقطب أكبر عدد من الفنانين أو يشيد أضخم منصة، بل الذي يندرج ضمن تصور واضح، ويخلق قيمة مضافة محلية، ويتيح فرصاً حقيقية للمشاركة والاستفادة، دون إهمال الملفات الاجتماعية الملحة.
وأمام الانتقادات المتداولة، تظل الكرة في ملعب المجلس الجماعي لتقديم توضيحات دقيقة حول الميزانية المرصودة للتظاهرات الفنية، وكلفة تنظيمها، ومصادر تمويلها، إلى جانب الكشف عن الإجراءات المتخذة لتحسين النقل المدرسي والاستجابة لحاجيات التلاميذ والتلميذات.
فأفورار لا تحتاج إلى مفاضلة شعبوية بين الفن والمدرسة، وإنما إلى تدبير يثبت بالأرقام أن المال العام يُصرف وفق أولويات واضحة، وأن حاجيات التلاميذ لا تُترك في آخر جدول الاهتمامات، وأن الأنشطة الثقافية تتحول إلى رافعة للتنمية بدل أن تبقى موضوعاً متكرراً للجدل.
وفي النهاية، فإن معيار نجاح المجلس الجماعي ليس عدد الليالي التي تضيء فيها المنصات، بل حجم التحسن الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية. أما المحاسبة، فتبدأ من حق الساكنة في الاطلاع على الأرقام، ومناقشة الاختيارات، ومطالبة المسؤولين بتبرير قراراتهم وتقييم نتائجها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد