الوطية على صفيح ساخن.. اتهامات بتوظيف المال العام واستثمار الجمعيات في الحسابات الانتخابية بإقليم طانطان
هبة زووم – طانطان
لم تعد مؤشرات الاحتقان السياسي والاجتماعي بمدينة الوطية، التابعة لإقليم طانطان، مجرد تفاصيل عابرة في مشهد محلي متوتر، بل تحولت إلى أسئلة ثقيلة حول طبيعة التدبير الجماعي، وحدود المسؤولية الإدارية، ومآل البرامج التنموية الموجهة للشباب.
وبين اتهامات بتوظيف الدعم العمومي في حسابات سياسية، وشكاوى من تعثر مبادرات التشغيل الذاتي، ومخاوف مرتبطة بالتلوث والهجرة، تتصاعد المطالب بكشف حقيقة ما يجري، بدل ترك المجال مفتوحاً للتأويلات والاتهامات المتبادلة.
ويأتي هذا الاحتقان في سياق سياسي أعقب الانتخابات التشريعية، التي وصفتها بعض الأصوات المحلية بأنها افتقرت إلى شروط التنافس النزيه، وسط حديث عن ضعف الثقة في العملية الانتخابية واتساع دائرة العزوف.
وهي ادعاءات تستدعي التحقق من معطيات المشاركة والملاحظات المسجلة بشأن الاستحقاق، بدل الاكتفاء بالأحكام العامة، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: ماذا تبقى من الثقة في المؤسسات عندما يشعر جزء من المواطنين بأن صوته لا يغير شيئاً في واقعه اليومي؟
ولا تقف تداعيات هذا المناخ عند حدود صناديق الاقتراع، إذ تتزايد المخاوف من انتقال حالة النفور إلى الفعاليات الرسمية والمهرجانات التي تحتضنها المنطقة، وفي مقدمتها موسم طانطان.
فالتظاهرات الاحتفالية، مهما كانت أهميتها الثقافية والسياحية، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، كما لا يمكن أن تحجب أسئلة التشغيل والصحة والبيئة وضعف الآفاق أمام الشباب، فالتنمية لا تقاس بحجم المنصات والأضواء، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطنين وخلق فرص حقيقية أمامهم.
دعم عمومي أم حسابات سياسية؟
الأكثر إثارة للجدل في النقاش المحلي هو ما يروج بشأن طبيعة الدعم المالي الذي يقدمه المجلس الجماعي للوطية لبعض الجهات والأشخاص، في ظل اتهامات بوجود انتقائية في الاستفادة، وربط بعض أشكال الدعم بعلاقات سياسية أو بأدوار دعائية سابقة لأوانها.
وتتحدث معطيات متداولة عن استفادة أطراف ووجوه محلية من أموال عمومية، رغم اتهامها بالانخراط في حملات تستهدف نشطاء معارضين وخصوماً سياسيين.
كما يربط متابعون بين بعض أشكال الدعم وبين التحضير المبكر للاستحقاقات الجماعية المقبلة، معتبرين أن المال العام قد يتحول، في حال ثبوت هذه الادعاءات، من أداة لخدمة المصلحة العامة إلى وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي وصناعة الولاءات.
لكن خطورة هذه الاتهامات تفرض التعامل معها بمنطق الوثائق لا بمنطق الإشاعات، فالمطلوب هو الكشف عن لوائح الجمعيات والجهات المستفيدة، وقيمة المبالغ المرصودة، ومعايير توزيعها، والاتفاقيات المبرمة، وتقارير تنفيذ المشاريع الممولة.
كما أن نشر هذه المعطيات من شأنه أن يضع حداً للتأويلات، ويتيح للرأي العام التمييز بين الدعم المشروع الذي يخدم الصالح العام وأي استفادة قد تشوبها اختلالات في الحكامة أو تضارب المصالح.
فالميزانية الجماعية ليست ملكاً لفئة أو تيار، ولا يجوز أن تتحول إلى رصيد سياسي يوظف في معارك انتخابية غير معلنة. وأي شبهة بشأن صرفها تستوجب التوضيح والافتحاص، مع ترتيب المسؤوليات متى ثبتت المخالفات.
الرياضة في مرمى الحسابات الانتخابية
ولا تبدو الجمعيات والأندية الرياضية بمنأى عن هذا الجدل؛ إذ تثار تساؤلات محلية بشأن مدى استقلالية بعض مكونات المشهد الرياضي عن التجاذبات السياسية، وما إذا كان الدعم العمومي المخصص لها يوجه وفق معايير رياضية وتنموية واضحة، أم يتأثر بحسابات النفوذ والعلاقات.
فالرياضة يفترض أن تكون فضاءً لتأطير الشباب، وتنمية مواهبهم، وحمايتهم من التهميش، لا مجالاً لتوسيع شبكات الولاء أو تحويل المنخرطين إلى رصيد انتخابي، وإذا كانت هناك شبهات بشأن استغلال الدعم المالي للتأثير في المكاتب المسيرة أو توجيه الجمعيات لخدمة مرشحين بعينهم، فإن الحسم فيها لا يكون بالتشهير، وإنما بفحص الاتفاقيات، ومحاضر التسيير، وكيفية صرف المنح، ومدى ارتباطها بالأهداف المعلنة.
وتظل مسؤولية المجلس والجهات المانحة قائمة في ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين الجمعيات، حتى لا يصبح الدعم العمومي امتيازاً تمنحه العلاقات، بدل أن يكون حقاً مؤسسياً تحكمه معايير الاستحقاق والنتائج.
الإدارة أمام اختبار الإنصات والمساءلة
وعلى المستوى الإداري، تتجه انتقادات فاعلين محليين نحو السلطات الإقليمية، وعلى رأسها عامل إقليم طانطان، بسبب ما يصفونه بصعوبة التواصل مع الإدارة وضعف التجاوب مع بعض المبادرات والمطالب المحلية.
كما تثار أسئلة بشأن وضعية منصة الشباب، ومآل طلبات الدعم والمواكبة المرتبطة بأربعة مشاريع في مجال التشغيل الذاتي، تقول المعطيات المتداولة إنها تواجه صعوبات في الاستمرار.
وإذا تأكد تعثر هذه المبادرات أو غياب المواكبة المطلوبة لها، فإن الأمر يستدعي توضيحاً رسمياً بشأن أسباب التأخير، وطبيعة العراقيل، والجهات المسؤولة عن معالجتها، فمشاريع التشغيل الذاتي ليست مجرد ملفات إدارية قابلة للتأجيل، بل رهانات اجتماعية ترتبط بأسر وشباب اختاروا المبادرة بدل انتظار فرص قد لا تأتي.
كما أن الإدارة الترابية مطالبة بتكريس سياسة القرب والإنصات، وتيسير التواصل مع المواطنين وحاملي المشاريع، لا الاكتفاء بالتدبير المكتبي أو التركيز على المناسبات الكبرى.
فالصفقات والتظاهرات قد تكون جزءاً من العمل العمومي، لكنها لا تعفي المسؤولين من واجب تتبع الملفات اليومية، والإجابة عن الشكاوى، وتقديم حصيلة واضحة بشأن البرامج المعلنة.
ومن حق الساكنة أن تعرف ما إذا كانت منصة الشباب تشتغل وفق أهدافها، وما هي المشاريع التي استفادت من المواكبة، وما أسباب تعثر غيرها، وما الإجراءات المتخذة لتصحيح الوضع، أما استمرار الغموض فيغذي فقدان الثقة ويترك المجال مفتوحاً أمام روايات متعارضة لا تخدم أحداً.
التلوث والهجرة.. كلفة التنمية المؤجلة
وفي خلفية هذا الجدل السياسي والإداري، تبرز تحديات اجتماعية وبيئية لا يمكن فصلها عن مستقبل الوطية وإقليم طانطان. فالهجرة غير النظامية، حين تصبح خياراً يراود بعض الشباب بحثاً عن أفق أفضل، تعكس الحاجة إلى فرص عمل حقيقية وسياسات إدماج تتجاوز الوعود، كما أن المخاوف المرتبطة بالتلوث الصناعي تفرض توفير معطيات دقيقة حول مصادر الانبعاثات والنفايات، ونتائج المراقبة البيئية، ومدى احترام الوحدات المعنية للمعايير القانونية.
ولا يصح اختزال هذه الملفات في خطاب سياسي متبادل؛ فحماية البيئة والصحة العامة تحتاج إلى مراقبة منتظمة ونتائج منشورة وتدخلات قابلة للقياس، مثلما تحتاج معالجة الهشاشة إلى برامج تشغيل وتكوين ومواكبة مستمرة. وأي تقصير مثبت في هذه المجالات ينبغي أن يخضع للمساءلة، أياً كانت الجهة المسؤولة عنه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الوطية ليس اختلاف الفاعلين السياسيين في ما بينهم، بل اتساع الهوة بين المؤسسات والساكنة، وتحول الشكوك إلى قناعة راسخة بأن الشأن العام لا يستجيب للأولويات الحقيقية للمواطنين.
واستعادة الثقة لا تتحقق بالخطابات ولا بتنظيم التظاهرات وحدها، بل بإتاحة المعلومات، وتقديم الحصيلة، والإنصات للشكاوى، وربط الدعم العمومي بأهداف واضحة ونتائج قابلة للتقييم.
وأمام تعدد الأسئلة المطروحة، يصبح فتح تحقيقات مستقلة في الملفات التي تتوفر بشأنها مؤشرات جدية، وإجراء افتحاص لتدبير الدعم العمومي، وتوضيح وضعية المشاريع المتعثرة، خطوات ضرورية لتبديد الشكوك، كما يتعين تمكين المجلس الجماعي والسلطات الإقليمية والجهات المعنية من حق الرد وتقديم معطياتها للرأي العام.
فالوطية لا تحتاج إلى مزيد من التصعيد، بقدر ما تحتاج إلى وضوح في التدبير، وعدالة في توزيع الدعم، ومشاريع تنموية تلامس حاجيات السكان، وبين الاتهامات التي تنتظر الإثبات والملفات التي تستوجب التوضيح، يبقى المبدأ الحاسم هو أن المال العام أمانة، وأن المسؤولية العمومية تقتضي الشفافية والمحاسبة، لا ترك المواطنين أسرى الغموض وفقدان الثقة.