هبة زووم – علال الصحراوي
قبل أن تخرج حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى الوجود، بدأت ملامح التعثر تطفو على سطح المشاورات الجارية لتشكيلها، في ظل استمرار النقاش بشأن توزيع الحقائب الوزارية وعدم الحسم النهائي في عدد من الأسماء.
وبينما يحاول قادة الأحزاب الأربعة تقديم صورة توحي بأن الأمور تسير نحو التوافق، فإن طول المفاوضات يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة حول طبيعة التفاهمات التي جمعت مكونات هذه الأغلبية، ومدى قدرتها على بناء فريق حكومي منسجم قبل انطلاق أولى جلساته.
تصريحات عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها وعضو لجنة المشاورات داخل حزب الأصالة والمعاصرة،خلال تصريح للقناة الثانية ضمن نشرة الظهيرة اليوم الخميس، بشأن حسم بعض الأسماء واستمرار النقاش حول أخرى، لا تبدد الغموض المحيط بالتشكيلة المرتقبة بقدر ما تكشف أن المفاوضات لم تبلغ بعد مرحلة الحسم الشامل.
فحين تتقدم المشاورات في بعض التفاصيل وتظل حقائب وأسماء أخرى معلقة، يصبح السؤال مشروعاً: هل يتعلق الأمر بمجرد ترتيبات تقنية تسبق الإعلان الرسمي، أم أن الخلافات حول اقتسام المسؤوليات الوزارية ما تزال تعرقل الوصول إلى صيغة نهائية؟
المؤكد، وفق ما كشفه وهبي، أن المشاورات لم تنته بعد، وأن عدداً من النقاط لا يزال موضوع نقاش، أما اعتبار هذا التأخر دليلاً قاطعاً على وجود صراع بين الأحزاب، فيحتاج إلى معطيات إضافية؛ غير أن استمرار عدم الحسم يثير، سياسياً، مخاوف بشأن قدرة الرباعي على تجاوز الحسابات الحزبية وتقديم المصلحة العامة على التنافس حول مواقع النفوذ داخل الجهاز التنفيذي.
الحقائب الوزارية.. أول اختبار حقيقي للانسجام
المفارقة أن الحكومة المرتقبة لم تبدأ بعد ممارسة مهامها، لكنها تواجه بالفعل اختباراً سياسياً يتعلق بقدرة مكوناتها على التوافق، فالأغلبية الحكومية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد أو بتوقيع تفاهمات أولية، بل بمدى استعداد أحزابها للتوافق على رؤية مشتركة وتوزيع المسؤوليات وفق معايير واضحة، بعيداً عن منطق المساومات التي قد تجعل تشكيل الحكومة معركة حول من يحصل على أي حقيبة، بدلاً من أن يكون نقاشاً حول الأولويات والبرامج.
وإذا كان الاختلاف حول بعض الأسماء أمراً مألوفاً في المفاوضات الحكومية، فإن استمرار الخلافات بشأن الحقائب الوزارية يطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة التفاهم الذي يجمع مكونات الأغلبية: هل تأسس على برنامج حكومي متكامل وأولويات مشتركة، أم أن الاتفاق السياسي سبق التوافق على تفاصيل التدبير وتقاسم المسؤوليات؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، حيث لا يحتاج المواطن إلى حكومة تنجح فقط في تجاوز مفاوضات التشكيل، بل إلى فريق قادر على اتخاذ القرارات وتنسيق السياسات وتحمل المسؤولية الجماعية عن النتائج.
حكومة مصغرة.. هل يكفي تقليص العدد لضمان الفعالية؟
حديث وهبي عن توجه نحو حكومة “مقلصة”، مع استقطاب الكفاءات وضمان حضور نسائي، يقدم ملامح عامة للصيغة المنتظرة، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بمعايير اختيار الوزراء، وطبيعة توزيع القطاعات، ومدى استقلالية القرار الحكومي عن الحسابات التنظيمية للأحزاب.
فتقليص عدد الوزراء ليس في حد ذاته ضمانة للنجاعة، كما أن الحديث عن الكفاءات لا يكتسب معناه إلا عندما تعكس التعيينات معايير واضحة للخبرة والقدرة على التدبير، لا مجرد تسويات ترضي الأطراف المشاركة في الأغلبية.
أما الحضور النسائي، فينبغي أن يكون جزءاً من تصور متكامل للمشاركة والتمثيلية والكفاءة، لا مجرد عنوان لتسويق التشكيلة قبل الكشف عن تفاصيلها.
ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه المنصوري لا يقتصر على إنهاء المشاورات والإعلان عن أسماء الوزراء، بل يمتد إلى بناء فريق حكومي قادر على العمل المشترك، وتحديد المسؤوليات بدقة، وتفادي التنازع بين القطاعات أو تحول الخلافات الحزبية إلى عائق أمام تنفيذ البرنامج الحكومي.
من توافق التشكيل إلى امتحان الحكم
محاولة وهبي وضع حد للتكهنات المتداولة بشأن الأسماء الوزارية، والتأكيد أن الإعلان الرسمي يظل من اختصاص رئيسة الحكومة المعينة، أمر مفهوم من زاوية احترام المسار المؤسساتي، لكن حجب التفاصيل عن الرأي العام لا يلغي الحاجة إلى الوضوح السياسي بشأن أولويات الحكومة وطبيعة التفاهمات التي ستؤطر عملها.
فالتأخر في الإعلان عن التشكيلة، في ظل استمرار النقاش حول الحقائب والأسماء، لا يثبت وحده أن الحكومة المقبلة محكومة بالفشل، لكنه يضع الانسجام المعلن بين مكوناتها أمام اختبار مبكر.
وإذا لم تنجح الأحزاب الأربعة في تجاوز خلافاتها والتوافق على توزيع المسؤوليات ضمن رؤية مشتركة، فإن المخاوف ستتزايد من أن تنتقل التوترات من طاولة المفاوضات إلى اجتماعات الحكومة، بما قد ينعكس على سرعة القرار وفعالية السياسات العمومية.
في النهاية، لا تكمن قيمة الحكومة في سرعة ولادتها أو عدد وزرائها، بل في قدرتها على تقديم إجابات ملموسة عن قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والإصلاحات الاقتصادية، غير أن الطريق إلى هذه النتائج يبدأ بتوافق سياسي واضح، لا بمجرد تسوية حول الحقائب.
فإذا كان الرباعي يجد صعوبة في استكمال التوافق على توزيع المسؤوليات قبل انطلاق الولاية الحكومية، فمن حق الرأي العام أن يتساءل عن قدرته على تدبير الخلافات حين تصبح القرارات الحكومية والالتزامات الاجتماعية على المحك، ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي تواجهه حكومة المنصوري قبل أن ترى النور، وقبل أن تتحول وعود الانسجام والكفاءة إلى مسؤولية سياسية أمام المواطنين.
تعليقات الزوار