هبة زووم – الرباط
لم يمر التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري دون أن يثير موجة من التساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة الجديدة على إحداث قطيعة حقيقية مع اختيارات سابقتها، خصوصاً في ملف المحروقات الذي ظل لسنوات عنواناً للجدل حول الأسعار والقدرة الشرائية وحدود تدخل الدولة لحماية المستهلك.
فغياب أي إشارة واضحة إلى مصفاة “لاسامير”، وعدم الإعلان عن توجه ملموس بشأن تسقيف أسعار المحروقات، أعادا إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تحمل الحكومة الجديدة تصوراً مختلفاً لمعالجة أحد أبرز مصادر الضغط على ميزانيات الأسر المغربية، أم أن الأمر يتعلق باستمرار السياسات نفسها بوجوه وشعارات جديدة؟
ضرائب أعلى.. لكن من يتحمل الكلفة النهائية؟
ومن بين النقاط التي أثارت انتقادات عدد من الفاعلين المدنيين، الحديث عن رفع الضرائب المفروضة على قطاع المحروقات إلى 40 في المائة، في وقت لا يتضمن التصريح الحكومي، وفق ما أُعلن عنه، إجراءات واضحة ومباشرة لضبط الأسعار أو الحد من انعكاساتها على المستهلك.
ويرى منتقدون أن رفع العبء الضريبي، في غياب آليات فعالة لضمان عدم تمريره إلى المستهلك النهائي، قد يتحول إلى إجراء لا تحقق آثاره الاجتماعية المرجوة، خصوصاً إذا انعكس على الأسعار عند البيع.
فالمواطن الذي يواجه أصلاً ارتفاع تكاليف المعيشة لا يحتاج إلى مزيد من الأعباء غير المباشرة، بل إلى سياسة واضحة تحدد المسؤوليات وتضمن الشفافية في تشكيل الأسعار وهوامش الربح.
وفي المقابل، يظل تقييم الأثر الحقيقي لأي زيادة ضريبية رهيناً بتفاصيلها القانونية والمالية، وبمدى انعكاسها الفعلي على الأسعار. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الضمانات التي ستمنع انتقال أي كلفة إضافية إلى جيوب المغاربة؟
“لاسامير” وتسقيف الأسعار.. أسئلة مؤجلة في ملف لا يحتمل التأجيل
ويشكل غياب تصور معلن بشأن مصفاة «لاسامير» إحدى النقاط التي تغذي الانتقادات الموجهة إلى التوجه الحكومي. فملف المصفاة لا يرتبط فقط بمصير منشأة صناعية، بل يثير أيضاً نقاشاً أوسع حول الأمن الطاقي، وقدرات التخزين والتكرير، وشروط تعزيز المنافسة في سوق المحروقات.
أما تسقيف الأسعار، فيظل بدوره موضوعاً خلافياً يتطلب نقاشاً مبنياً على معطيات دقيقة بشأن آليات التسعير والمنافسة والتكاليف وهوامش الربح، بعيداً عن الشعارات الجاهزة.
غير أن تجاهل هذا الملف في خطاب حكومي يضع القدرة الشرائية ضمن أولوياته يفتح الباب أمام سؤال مشروع: كيف يمكن الحديث عن حماية اجتماعية فعالة دون معالجة أحد العوامل التي تؤثر في كلفة النقل والإنتاج وتوزيع السلع؟
فارتفاع أسعار المحروقات لا يبقى محصوراً في محطات الوقود، بل يمكن أن تنتقل آثاره إلى قطاعات متعددة، من نقل البضائع إلى الخدمات والمواد الاستهلاكية، بما يجعل الأسر محدودة الدخل الأكثر عرضة لتداعياته.
هل تغيرت السياسات أم تغيرت الأسماء فقط؟
وفي هذا السياق، اعتبر منتقدون أن ما تضمنه التصريح الحكومي لا يقدم، إلى حدود ما أُعلن عنه، مؤشرات كافية على حدوث تحول جوهري في المقاربة الاقتصادية والاجتماعية، وذهب بعضهم إلى اعتباره امتداداً لاختيارات حكومة عزيز أخنوش، بدل أن يكون انطلاقة لمسار جديد يضع حماية القدرة الشرائية في صدارة الأولويات.
وزادت هذه الانتقادات حدة مع محاولة فوزي لقجع، في خرجته الأخيرة، إبراز عدد من التدابير الاجتماعية، من قبيل الزيادة في الدعم الاجتماعي المباشر ورفع الحد الأدنى لبعض المعاشات إلى 1700 درهم، باعتبارها مؤشرات على استمرار ورش الدولة الاجتماعية.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها المحتملة بالنسبة إلى الفئات المستفيدة، لا تكفي وحدها لحسم النقاش حول القدرة الشرائية، ما لم تواكبها سياسات تحد من تآكل الدخل بفعل ارتفاع الأسعار، فالمواطن لا يقيس فعالية الدعم بقيمته الاسمية فقط، بل بما يتبقى من دخله بعد أداء تكاليف الغذاء والنقل والسكن والطاقة والعلاج.
وهنا تكمن المفارقة التي يثيرها منتقدو البرنامج الحكومي: كيف يمكن تقديم زيادات محدودة باعتبارها مكاسب اجتماعية، بينما تظل الأسر معرضة لتقلبات الأسعار وتداعياتها اليومية؟ وهل تستطيع الحكومة تحقيق أثر اجتماعي ملموس دون مراجعة طريقة تدبير سوق المحروقات وتعزيز المنافسة والشفافية داخله؟
امتحان الحكومة الحقيقي يبدأ من جيب المواطن
إن الرهان الاجتماعي لا يُحسم بالأرقام التي ترد في التصريحات الحكومية، ولا بقدرة المسؤولين على تسويق الإجراءات، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين.
كما أن الحديث عن دولة اجتماعية لا يكتمل دون سياسات واضحة لمواجهة الغلاء، وتوضيح كيفية تشكل أسعار المحروقات، ومراقبة المنافسة، وضمان ألا يتحمل المستهلك وحده كلفة الاختلالات المحتملة في السوق.
وأمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها بخطاب سياسي مطمئن: ما موقفها من مستقبل «لاسامير»؟ وهل ستفتح نقاشاً جدياً بشأن تسعير المحروقات وهوامش الربح؟ وما الإجراءات العملية التي ستعتمدها لحماية القدرة الشرائية من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار باقي السلع والخدمات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الحكومة الجديدة بصدد تقديم بديل فعلي عن اختيارات سابقتها، أم أنها تكتفي بإعادة تقديم الوعود الاجتماعية نفسها في صياغة سياسية مختلفة. أما المواطن، الذي يواجه الفاتورة يومياً، فلن تكفيه الشعارات ما لم يلمس أثراً حقيقياً في الأسعار ودخله ومستوى عيشه.
تعليقات الزوار