هبة زووم – الرباط
في قراءة سياسية واقتصادية حادة لما تشهده فرنسا وعدد من الدول الأوروبية من اضطرابات اجتماعية وأعمال عنف وتخريب، يربط الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري بين تصاعد الاحتقان داخل المجتمعات الغربية وأزمة أعمق تضرب الأسس الاقتصادية والاجتماعية للنموذج الليبرالي، معتبراً أن الرفاه الأوروبي لم يكن، في نظره، نتاج التفوق الصناعي والعلمي وحده، بل ارتبط تاريخياً أيضاً بالاستعمار واستغلال ثروات الشعوب الفقيرة.
وفي تدوينة جديدة، توقف الكنبوري عند أحداث العنف والتخريب التي أشار إلى وقوعها يوم 17 أكتوبر بفرنسا، وما أثارته من تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات والمجتمعات الأوروبية على احتواء الاحتقان الاجتماعي.
واستحضر في هذا السياق تحذيرات منسوبة إلى الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بشأن مخاطر تفكك الاستقرار الاجتماعي، وإلى رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان بشأن احتمال انزلاق فرنسا نحو مواجهة داخلية خطيرة.
لكن الكنبوري لا يتعامل مع هذه الأحداث باعتبارها مجرد انفلات أمني عابر، بل يضعها ضمن سياق أوسع يرى أنه يكشف حدود النموذج الاقتصادي الغربي، ويعيد طرح سؤال العلاقة بين الثروة والعدالة الاجتماعية، وبين التقدم التكنولوجي والقدرة على ضمان شروط العيش الكريم لمختلف الفئات.
ويرتكز تحليل الكنبوري على أطروحة مفادها أن صعود أوروبا الاقتصادي لم ينفصل عن تاريخ طويل من التوسع الاستعماري، واستغلال الموارد الطبيعية، واستعباد البشر، ثم استمرار أشكال من التبعية الاقتصادية بعد الاستقلال السياسي لكثير من البلدان الإفريقية والعربية.
ويعتبر الباحث أن الثروات والمواد الأولية التي تدفقت من المستعمرات السابقة أسهمت في بناء جزء من القوة الاقتصادية الأوروبية، وأن بعض العلاقات التجارية والسياسية التي استمرت بعد الاستقلال أبقت دولاً غنية بالموارد في موقع ضعيف داخل الاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، يطرح الكنبوري سؤالاً جوهرياً حول حقيقة الاستقلال الاقتصادي للدول الإفريقية، ومدى قدرتها على التحكم في ثرواتها وتحديد شروط استغلالها، بعيداً عن علاقات النفوذ التي تربط بعض الحكومات المحلية بالقوى الاقتصادية الدولية.
غير أن هذا الطرح، رغم استناده إلى تاريخ موثق من الاستعمار والاستغلال، يحتاج إلى التمييز بين أثر الإرث الاستعماري في التفاوتات الاقتصادية وبين اختزال جميع مظاهر الازدهار الأوروبي في نهب الثروات. فالتصنيع والابتكار والمؤسسات والاستثمار والتعليم عوامل أساسية أخرى ساهمت في بناء الاقتصادات الأوروبية، كما أن التجارب الاستعمارية وتداعياتها تختلف من بلد إلى آخر.
وفي محور آخر، يربط الكنبوري جانباً من الصعوبات الفرنسية بتراجع النفوذ التقليدي لباريس في إفريقيا، خصوصاً عقب التحولات السياسية التي عرفتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وما صاحبها من إنهاء أو تقليص الوجود العسكري الفرنسي.
ويرى أن خسارة فرنسا مواقع نفوذ في هذه البلدان تطرح أسئلة حول المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي ارتبطت بعلاقاتها التاريخية مع القارة الإفريقية، وحول حقيقة الخطاب الذي برر تدخلاتها العسكرية بمحاربة الإرهاب وحماية الاستقرار.
ويذهب الباحث، في مثاله المتعلق بمالي، إلى أن حماية المصالح المرتبطة بالموارد الطبيعية كانت، بحسب قراءته، جزءاً من دوافع السياسة الفرنسية، متحدثاً عن مناجم الذهب ومواقع تأمينها.
غير أن هذا الاتهام المحدد يحتاج إلى أدلة مستقلة وموثقة تثبت طبيعة العمليات العسكرية والجهات المستفيدة منها؛ فوجود مصالح اقتصادية واستراتيجية لا يكفي وحده لإثبات أن مكافحة الجماعات المسلحة لم تكن سوى غطاء لنهب الموارد. وينطبق الأمر نفسه على المقارنة التي يعقدها بين الوجود الغربي في إفريقيا والمصالح الأمريكية في مناطق إنتاج النفط والغاز بالخليج.
ينتقل الكنبوري إلى نقد الرأسمالية المعاصرة، معتبراً أن الشركات متعددة الجنسيات أصبحت تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً واسعاً، وأن القرارات الحكومية في عدد من الدول باتت تتأثر بمصالح مجموعات اقتصادية كبرى تتحكم في قطاعات حيوية، من السلاح إلى الغذاء والدواء.
وفي تصوره، لا تقف المشكلة عند حدود قوة الشركات، بل تمتد إلى اختلال توزيع الثروة، وتزايد الضغوط على الطبقات المتوسطة والفقيرة، في مقابل تمركز الموارد والقدرة على التأثير في يد أقلية محدودة.
ويستحضر الباحث، في هذا السياق، نموذج الحكومة المغربية برئاسة عزيز أخنوش، رابطاً بين هيمنة المصالح الاقتصادية على القرار العام وبين الاحتقان الناتج عن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وهي مقارنة تندرج ضمن نقده السياسي للرأسمالية وتداخل المال بالسلطة، لكنها تظل بحاجة إلى أمثلة موثقة عند تطبيقها على قرارات حكومية أو مصالح اقتصادية بعينها.
كما يستشهد الكنبوري بمقولة منسوبة إلى روجيه غارودي بشأن اختلال توزيع الثروة بين الأقلية والأغلبية، ليؤكد أن الأزمة لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج أو مستوى التطور التكنولوجي، بل بكيفية توزيع عائداته والجهات التي تستفيد منها.
تضع تدوينة الكنبوري النقاش أمام مفارقة أساسية: هل يكفي التقدم العلمي والتكنولوجي لضمان استقرار المجتمعات، إذا لم يواكبه توزيع أكثر عدلاً للثروة وفرص العيش؟
فامتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يلغي تلقائياً الفقر أو البطالة أو التفاوتات، كما أن القوة الصناعية لا تحصّن المجتمعات من الاحتقان حين تتسع الفجوة بين مستويات المعيشة وتوقعات المواطنين.
ومع ذلك، فإن أعمال العنف والتخريب، مهما كانت خلفياتها، لا تشكل وحدها دليلاً حاسماً على أفول حضارة أو نهاية نموذج اقتصادي. فالأزمات الاجتماعية تتداخل فيها عوامل متعددة، تشمل السياسات العمومية، والتفاوتات، والثقة في المؤسسات، وطبيعة الاحتجاجات، وقدرة الدولة على معالجة أسبابها.
وبين القراءة التي يقدمها الكنبوري، والتي تربط اضطرابات الغرب بتناقضات الرأسمالية والإرث الاستعماري، والقراءات التي تركز على التحولات الداخلية للمجتمعات الأوروبية، يظل السؤال الأهم هو مدى قدرة الأنظمة الاقتصادية والسياسية على تجديد أدواتها وتحقيق توازن بين النمو والعدالة.
إن الرسالة الأساسية في تدوينة الباحث تتمثل في أن القوة الاقتصادية لا تمنح أي نموذج تاريخي حصانة دائمة من الأزمات، وأن استمرار التفاوتات وتغليب المصالح الضيقة على العدالة الاجتماعية قد يقوضان الثقة في المؤسسات، مهما بلغ مستوى التقدم العلمي والتقني.
وبينما يختم الكنبوري تصوره بالتذكير بأن الصعود لا يضمن الاستمرار، فإن النقاش الذي تفتحه تدوينته يتجاوز فرنسا إلى سؤال عالمي أوسع: هل تستطيع الرأسمالية المعاصرة معالجة التفاوتات التي تنتجها، أم أن أزمة العدالة الاجتماعية ستظل أحد أكبر التحديات التي تهدد استقرار المجتمعات؟
تعليقات الزوار