هبة زووم – الرباط
لم تمر سوى أيام قليلة على تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان حتى برزت أسئلة محرجة بشأن مدى التطابق بين الوعود المعلنة والالتزامات الواردة في الوثيقة الرسمية.
وفي قلب هذا الجدل، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ليثير قضية تجريم الإثراء غير المشروع، متسائلاً عن مصير التعهد الذي أعلنته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري شفوياً، قبل أن يلاحظ غياب صياغة صريحة مماثلة له في النسخة المكتوبة من البرنامج الحكومي.
وفي تدوينة جديدة، توقف اليحياوي عند ما اعتبره تبايناً بين الخطاب المعلن أمام البرلمان ومضمون الوثيقة النهائية التي وُزعت على النواب، معتبراً أن الاكتفاء بالإشارة إلى تعديلات في القانون الجنائي لا يرقى بالضرورة إلى مستوى الالتزام الواضح بتجريم الإثراء غير المشروع.
ويطرح هذا التباين، وفق قراءة الباحث، سؤالاً يتجاوز الصياغة القانونية إلى جوهر المصداقية السياسية: هل يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في التعبير عن الالتزام نفسه، أم أن غياب التنصيص الصريح يكشف عن تراجع محتمل عن وعد أعلنته رئيسة الحكومة أمام ممثلي الأمة؟
وكانت فاطمة الزهراء المنصوري قد أعلنت، خلال تقديم البرنامج الحكومي يوم 19 أكتوبر الجاري، التزام الحكومة بتجريم الإثراء غير المشروع، إلى جانب معاقبة تضارب المصالح وتعزيز نظام التصريح الإجباري بالممتلكات، في إطار استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة ومحاربة الفساد.
لكن الجدل تفجر بعدما أشارت تقارير صحفية إلى أن البرنامج المكتوب للفترة 2026-2031 لم يتضمن الالتزام بالصيغة الصريحة نفسها، واكتفى بمقتضيات تتعلق بتعديل القانون الجنائي.
وهنا تبرز نقطة أساسية: فغياب العبارة الصريحة لا يعني، بمفرده، أن الحكومة تخلت نهائياً عن الهدف المعلن، لكنه يثير تساؤلات مشروعة بشأن الصيغة التشريعية التي ستعتمدها، ونطاق التجريم الذي ستقترحه، والجدول الزمني لتنزيله.
فالتعهد بتجريم الإثراء غير المشروع ليس مجرد إعلان سياسي عام؛ بل يستدعي نصاً قانونياً يحدد الأفعال المعنية، والفئات الخاضعة للمقتضيات الجديدة، وشروط إثبات المخالفات، والضمانات التي تحمي الحقوق والحريات وتضمن عدم التعسف في التطبيق.
وفي تدوينته، طرح اليحياوي احتمال وجود ضغط سياسي وراء غياب التنصيص الواضح، رابطاً ذلك بموقف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي سبق أن ارتبط اسمه بالجدل حول مشروع تجريم الإثراء غير المشروع وسحبه من المسار التشريعي خلال الولاية الحكومية السابقة.
وتعيد هذه الإشارة إلى الواجهة مساراً تشريعياً لم يُحسم على النحو الذي كانت تطالب به أطراف سياسية ومدنية. فقد سبق أن تناول سؤال برلماني منشور بموقع مجلس النواب، في يناير 2024، مآل مشروع القانون الذي يتضمن مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع، بعد سحبه بدعوى إعادة النظر فيه ضمن مراجعة أوسع للقانون الجنائي.
غير أن فرضية الضغط أو التدخل وراء اختلاف الصياغة تظل، في حدود المعطيات المتاحة، احتمالاً طرحه اليحياوي، وليست واقعة مثبتة. ولذلك فإن حسم الجدل يقتضي توضيحاً حكومياً بشأن أسباب الاختلاف بين التصريح الشفوي والنص المكتوب، ومدى تطابقهما في المضمون والآثار المنتظرة.
ويذهب اليحياوي إلى أن ثبوت التراجع عن الالتزام الصريح سيكون كافياً، في نظره، للحكم مبكراً على توجهات الحكومة، من دون انتظار مرور مائة يوم على انطلاق عملها.
وتحمل هذه القراءة رسالة سياسية واضحة: أن مصداقية الحكومات لا تُقاس فقط بما تعلنه في المناسبات الرسمية، بل أيضاً بمدى انعكاس تلك التصريحات على الوثائق المرجعية، ومشاريع القوانين، والإجراءات العملية.
وفي المقابل، فإن الحكم النهائي على وجود تراجع من عدمه يظل مرتبطاً بتوضيح رسمي لمضمون الالتزام، وبما ستقدمه الحكومة فعلياً من نصوص تشريعية، فالإشارة إلى تعديل الفصل 245 قد تمثل جزءاً من معالجة قانونية أوسع، لكنها لا تكفي وحدها لتبديد الغموض بشأن تجريم الإثراء غير المشروع تحديداً.
وتبقى الحكومة مطالبة بتقديم أجوبة واضحة عن طبيعة النص الذي تعتزم إعداده، ومدى شموليته، والآجال التي ستلتزم بها لإحالته على البرلمان، فمحاربة الفساد لا تستقيم بالشعارات وحدها، كما أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات تتطلب وضوحاً في التعهدات، واتساقاً بين التصريحات والوثائق الرسمية، واستعداداً لتحويل الوعود إلى مقتضيات قانونية قابلة للتنفيذ والمساءلة.
تعليقات الزوار