تاونات.. قافلة طبية لفائدة 300 مستفيد تطرح سؤال الأثر المستدام لمشاريع التنمية البشرية

هبة زووم – تاونات
في الوقت الذي تتجه فيه عمالة إقليم تاونات إلى إبراز القافلة الطبية الجراحية المنظمة بمناسبة عيد الوحدة، والتي تستهدف نحو 300 مستفيد من خدمات الجراحة العامة وعمليات الختان، يظل السؤال الأهم مطروحاً بإلحاح: هل تكفي المبادرات الطبية الظرفية لإثبات نجاعة مشاريع التنمية البشرية، أم أن تقييم الحصيلة يقتضي الانتقال من لغة الأنشطة والزيارات إلى لغة النتائج الملموسة والاستدامة؟
فالقافلة التي تنظمها عمالة الإقليم، عبر اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، بشراكة مع المنطقة الصحية بتاونات، خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 25 أكتوبر 2026، تحمل بلا شك بعداً إنسانياً وتضامنياً، وتتيح لفئات من المواطنين الاستفادة من خدمات صحية قد يصعب الوصول إليها في ظروف أخرى. غير أن الإشادة بهذه المبادرة لا ينبغي أن تتحول إلى إعفاء من طرح الأسئلة الضرورية حول واقع الخدمات الصحية بالإقليم، ومدى قدرة البرامج التنموية على الاستجابة للحاجيات المتواصلة للساكنة.
زيارة عامل إقليم تاونات، عبد الكريم، إلى المستشفى الإقليمي متعدد الاختصاصات، واطلاعه على سير القافلة وظروف استقبال المستفيدين، تندرج ضمن تتبع هذه المبادرة. لكن الزيارات الميدانية، مهما كانت أهميتها، لا تشكل في حد ذاتها دليلاً كافياً على نجاح السياسات التنموية، ما لم تقترن بمعطيات واضحة حول النتائج المحققة، والصعوبات المطروحة، ومدى استمرارية الخدمات المقدمة.
فالتنمية البشرية ليست موسماً للقوافل الطبية، ولا سلسلة من الأنشطة التي تستعيد حضورها في المناسبات، بل هي ورش يفترض أن يترك أثراً قابلاً للقياس في حياة المواطنين، من خلال تحسين الولوج إلى العلاج، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز فرص الاستفادة من الخدمات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن استهداف 300 مستفيد يظل مؤشراً أولياً، لكنه لا يكفي وحده لتقييم الحصيلة. فالمطلوب هو الكشف عن عدد التدخلات التي أُنجزت فعلياً، وطبيعة الخدمات المقدمة، ومدى الاستجابة للحالات التي تحتاج إلى متابعة طبية، فضلاً عن توضيح موقع هذه المبادرة ضمن برنامج صحي واجتماعي أوسع بالإقليم.
إن تنظيم قافلة طبية خلال أسبوع قد يخفف معاناة عدد من الأسر، لكنه لا يعوض الحاجة إلى خدمات صحية منتظمة وقادرة على الاستجابة للطلب المتزايد، ولا يغني عن تقييم مدى توفر الأطر والتخصصات والتجهيزات اللازمة داخل المؤسسات الصحية.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن تتوقف عنده اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية: ما الأثر المستدام الذي تتركه المشاريع الممولة أو المواكبة في إطار برامج التنمية البشرية؟ وهل يجري تقييم هذه المشاريع وفق نتائجها الفعلية، أم يظل التركيز منصباً على الأنشطة المنجزة وعدد المستفيدين المعلن عنهم؟
لا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية العمل التضامني، بل برفض اختزال التنمية في مبادرات محدودة زمنياً، مهما كانت قيمتها الإنسانية. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى قافلة تصل إليه في مناسبة معينة، وإنما إلى منظومة خدمات تضمن له حقه في العلاج بصورة مستمرة، وتوفر له إجابات واضحة عن حاجياته الأساسية.
إذا كانت القافلة الطبية مناسبة لإبراز جانب من التدخل الاجتماعي بالإقليم، فإنها تفتح أيضاً الباب أمام المطالبة بتقديم حصيلة أكثر شمولاً لمشاريع التنمية البشرية: ما الذي أُنجز؟ وما الذي تعثر؟ وما الأهداف التي تحققت؟ وكيف جرى قياس أثر البرامج على الفئات المستهدفة؟
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي أن تكون الحصيلة التنموية موضوع تقييم واضح، يستند إلى مؤشرات قابلة للتحقق، ويتيح للرأي العام معرفة ما إذا كانت الموارد المرصودة قد تحولت إلى خدمات وفرص أفضل للمواطنين.
وفي غياب معطيات تفصيلية عن الحصيلة العامة، لا يمكن إصدار حكم نهائي على أداء مشاريع التنمية البشرية بالإقليم، لكن من المشروع التشديد على أن الإعلان عن الأنشطة لا يعفي الجهات المشرفة من واجب توضيح النتائج.
فتاونات لا تحتاج فقط إلى قوافل طبية ناجحة، بل إلى تنمية تُقاس بما يتغير فعلياً في حياة سكانها، أما الرهان الحقيقي، فيبقى هو الانتقال من منطق المبادرات الظرفية إلى برامج مستدامة، ومن الاكتفاء بعرض الأنشطة إلى تقديم حصيلة شفافة تجيب عن سؤال المواطن البسيط: ماذا تغير على أرض الواقع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد