طاطا.. العامل باري من “الخيمة خرج مايل”.. فاجعة الطريق تضع حصيلة التدبير الترابي لإقليم طاطا أمام المساءلة

هبة زووم – علال الصحراوي
في طاطا، لم تعد الأسئلة المرتبطة بالطرق وفك العزلة مجرد شكاوى عابرة ترددها الساكنة في المجالس واللقاءات، بل أضحت جزءاً من نقاش أوسع حول جدوى التدبير الترابي، وحدود التدخلات الإدارية، ومدى قدرة المسؤولين على تحويل الملفات التنموية من عناوين معلنة إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ومع حادثة انقلاب سيارة تابعة للمجلس الإقليمي على الطريق الرابطة بين تسينت وطاطا، والتي أودت بحياة إطار يعمل بقسم التجهيزات بعمالة الإقليم وأصابت السائق، عاد اسم عامل الإقليم باري إلى واجهة الأسئلة المتعلقة بواقع البنية التحتية وأولويات التدبير المحلي.
“من الخيمة خرج مايل”.. عنوان يلخص، في دلالته النقدية، المفارقة بين انتظارات الساكنة وحصيلة التدبير التي تستحق التقييم والمساءلة، فالإقليم الذي يحتاج إلى طرق آمنة، ومسالك مؤهلة، وبرامج صيانة منتظمة، لا يمكن أن يكتفي بتدبير تداعيات الأزمات بعد وقوعها، بل يحتاج إلى مقاربة استباقية تجعل سلامة المواطنين وفك العزلة في صلب العمل اليومي للمؤسسات.
لقد خلفت الحادثة خسارة بشرية مؤلمة، بعدما لقي إطار بعمالة طاطا مصرعه في مكان الواقعة، فيما نُقل السائق إلى المستشفى لتلقي العلاجات والفحوصات اللازمة. ووفق المعطيات المتوفرة، انتقل العامل باري إلى المستشفى للاطمئنان على المصاب والاطلاع على ظروف التكفل بالفقيد.
ولا جدال في أن مواساة المصابين ومتابعة ظروف التكفل بهم واجب إنساني، غير أن المسؤولية المؤسساتية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الحضور عقب الحوادث، بل تمتد إلى تقييم المخاطر، وتتبع مشاريع البنية التحتية، والتنسيق مع الجهات المختصة لضمان صيانة الطرق ومعالجة النقاط التي قد تشكل خطراً على مستعمليها.
وهنا يبرز السؤال المحرج: ما الذي تحقق فعلياً في ملف الطرق وفك العزلة بإقليم طاطا؟ وما البرامج التي جرى تنفيذها لتأهيل المحاور الطرقية، وما حجم الاعتمادات المرصودة للصيانة، وما وضعية المشاريع المتعثرة إن وُجدت؟ ثم ما آليات التتبع والتنسيق التي تعتمدها السلطات الإقليمية لضمان التزام مختلف المتدخلين ببرامجهم وآجالهم؟
إن العامل، بحكم موقعه على رأس الإدارة الترابية بالإقليم، يوجد في قلب مسؤولية التنسيق والتتبع وتعبئة المصالح المعنية، كلٌّ في حدود اختصاصاته. وهذا لا يعني تحميله مسؤولية تقنية أو جنائية عن حادثة لم تُحسم أسبابها بعد، لكنه يضع أداء الإدارة الترابية أمام سؤال مشروع حول نجاعة التنسيق، وترتيب الأولويات، ومدى الاستجابة لانشغالات الساكنة المتصلة بالسلامة الطرقية والتنمية المجالية.
فطاطا ليست في حاجة إلى لغة التطمين بقدر حاجتها إلى حصيلة واضحة، وأرقام دقيقة، ومشاريع قابلة للقياس، وبرنامج معلن لمعالجة الاختلالات، كما أن الحديث عن التنمية لا يكتمل دون مساءلة واقع الطرق التي تربط المراكز القروية بالمدينة، وتؤمن تنقل الموظفين والمرضى والتلاميذ، وتتيح للأنشطة الفلاحية والتجارية الاستمرار.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشأن أسباب انقلاب السيارة، يصبح من الضروري فتح تقييم ميداني للطريق الرابطة بين تسينت وطاطا، والتحقق من حالتها وتجهيزاتها وعلامات التشوير بها، وتحديد الجهة المختصة بصيانتها، مع نشر المعطيات المتعلقة ببرامج التأهيل المنجزة والمبرمجة.
إن الاختبار الحقيقي للعامل باري ليس في الحضور بعد الفاجعة، بل في قدرة الإدارة الترابية على جعل الوقاية أسبق من المأساة، والبرمجة أسبق من الارتجال، والمحاسبة أسبق من تكرار الأعذار، فحين يتعلق الأمر بأرواح المواطنين، لا تكفي البلاغات ولا الزيارات الميدانية وحدها؛ المطلوب هو عمل مؤسساتي واضح، ونتائج ملموسة، ومسؤوليات محددة لا تضيع بين الإدارات والمتدخلين.
وبين فاجعة تستوجب الاحترام والتحقيق، وواقع طرقي يحتاج إلى التشخيص والإصلاح، يبقى من حق ساكنة طاطا أن تسأل عاملها ومسؤوليها: أين وصلت برامج تأهيل الطرق؟ وما الإجراءات العاجلة المتخذة لضمان سلامة مستعمليها؟ ومتى تتحول الوعود المرتبطة بفك العزلة إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية؟
تلك أسئلة لا تستهدف شخصاً لذاته، بل تضع التدبير العمومي أمام مبدإ دستوري واضح: ربط المسؤولية بالمحاسبة، على أساس الوقائع والاختصاصات والنتائج.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد