وزان.. المدينة في حاجة إلى الأمن والأمان وإلى استعادة الفضاء العمومي

هبة زووم – وزان
ليست حاجات المدينة دائماً مشاريع ضخمة أو أوراشاً مكلفة تُعلن عنها الأرقام وتُزين بها التقارير؛ ففي كثير من الأحيان، تبدأ التنمية الحقيقية من تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تمس الحياة اليومية للمواطنين: رصيف صالح للمشي، وممر آمن للراجلين، وحديقة نظيفة، وملعب قرب يحتضن الأطفال والشباب، ومقاعد للراحة، وإنارة عمومية كافية، وشوارع تحترم حق الجميع في التنقل بأمان.
في وزان، كما في مدن أخرى، يظل النقاش حول الأمن والأمان أوسع من مجرد الحضور الأمني أو الحد من مظاهر الجريمة. إنه يرتبط أيضاً بمدى قدرة المدينة على توفير فضاءات عمومية آمنة ومهيأة، تتيح للمواطن أن يمشي دون خوف، وللطفل أن يلعب دون مخاطر، وللمسن أن يستريح، وللأسرة أن تستمتع بفضاء مشترك دون أن تضطر إلى اللجوء إلى أماكن استهلاكية مقابل المال.
إن استعادة الرصيف لوظيفته، وتحرير الممرات المخصصة للراجلين، وصيانة الحدائق القائمة، وإحداث ملاعب القرب في الأحياء التي تفتقر إليها، ليست تفاصيل ثانوية في تدبير الشأن المحلي؛ بل مؤشرات ملموسة على احترام كرامة الإنسان وحقه في الاستفادة العادلة من المدينة.
وتحتاج هذه الإجراءات إلى رؤية عمرانية واضحة تجعل الفضاء العمومي حقاً مشتركاً، لا مساحة متبقية بعد توزيع العقارات وتحديد مواقع المشاريع السكنية والتجارية.
كما تتطلب تنسيقاً بين المنتخبين والسلطات المحلية والمصالح التقنية، مع تحديد الأولويات وفق الحاجات الفعلية للسكان، بدل الاكتفاء بمعالجة الاختلالات بصورة ظرفية أو تجميلية.
لكن أي تصور ناجع لمستقبل وزان لن يكتمل دون إشراك المواطنين في تحديد حاجات أحيائهم. فالسكان أدرى بنقاط الخطر في شوارعهم، وبالأرصفة التي تعيق حركة الراجلين، وبالأماكن التي يفتقر فيها الأطفال إلى فضاءات اللعب، وبالنقط التي تحتاج إلى الإنارة أو النظافة أو تدخل عاجل لتحسين شروط السلامة.
ومن هنا، يصبح السؤال موجهاً إلى المسؤولين والمنتخبين: ما موقع الفضاء العمومي ضمن أولويات تدبير المدينة؟ وهل تحظى الأرصفة والحدائق والساحات وملاعب القرب بما تستحقه من صيانة واستثمار؟ وما الآليات المعتمدة لتلقي شكايات السكان وترتيبها وتحويلها إلى تدخلات ملموسة؟
فالمدينة لا تُقاس فقط بعدد السيارات التي تستوعبها طرقها، ولا بحجم الاستثمارات التي تستقطبها عقاراتها، ولا بالصورة التي تقدمها للزوار؛ بل تُقاس أساساً بقدرتها على توفير شروط العيش الكريم لسكانها، وبمدى شعورهم بأن الشارع والحديقة والساحة والرصيف ملك مشترك، تحكمه قواعد واضحة ويستفيد منه الجميع دون إقصاء.
ومن سرق المدينة من سكانها؟ قد لا تكون المسؤولية محصورة في جهة واحدة، لكن تراجع جودة الفضاء العمومي، حيثما ثبت، يرتبط باختيارات في التخطيط والتدبير، وباختلالات في المراقبة والصيانة، وأحياناً بسلوكات يومية تتعامل مع الملك المشترك باعتباره مجالاً مفتوحاً للاستغلال دون اعتبار لحقوق الآخرين.
واستعادة هذا الفضاء تقتضي أكثر من الشعارات؛ فهي تحتاج إلى تشخيص ميداني، وبرامج محددة، وآجال معلنة، ومراقبة مستمرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة عند ثبوت التقصير. كما تحتاج إلى ثقافة مدنية تحمي الممتلكات المشتركة، وتضع حداً لكل سلوك يحرم المواطنين من حقهم في استعمالها.
إن وزان ليست مجرد عقار قابل للاستثمار، ولا شبكة طرقات تختصر المسافة بين المنزل والعمل، ولا واجهة تجارية هدفها الاستهلاك. إنها فضاء للحياة والعلاقات الإنسانية، ومن حق سكانها أن يجدوا فيها مكاناً للمشي والراحة واللعب واللقاء، في ظروف تحفظ سلامتهم وكرامتهم.
فالمدينة التي تضيق أرصفتها بالراجلين، وتفتقر أحياؤها إلى فضاءات لعب آمنة، وتُهمل فيها الحدائق والساحات، لا تعاني فقط من نقص في التجهيزات؛ بل تواجه سؤالاً أعمق حول موقع الإنسان في السياسات الحضرية.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المنتخبين ورجال السلطة والمسؤولين والمهندسين، كما أمام المواطنين أنفسهم: هل نريد وزان مدينة تُبهر الزائر في الصور، أم مدينة تمنح سكانها أسباباً حقيقية للعيش بكرامة، والتنقل بأمان، والاستفادة العادلة من الفضاء العمومي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد