فوارق أجور المدراء الإقليميين بالشركات المتعددة الخدمات تضع وزارة الداخلية أمام اختبار الإنصاف

بشرى خالد – طنجة
في الوقت الذي تراهن فيه المملكة على إنجاح ورش الشركات الجهوية متعددة الخدمات، باعتباره تحولاً استراتيجياً في تدبير مرافق الماء والكهرباء والتطهير السائل، يطفو على السطح ملف شائك يتعلق بالعدالة الأجرية وتكافؤ الفرص بين الأطر التي انتقلت إلى هذه الشركات من مؤسسات عمومية مختلفة، وسط تذمر متزايد من فوارق مالية يقول المعنيون إنها لم تجد طريقها إلى التسوية، رغم مرور أكثر من سنتين على إطلاق هذا التحول.
وتتعلق القضية، وفق المعطيات التي يثيرها متضررون، بالمدراء الإقليميين القادمين من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، الذين يعتبرون أنفسهم في وضعية أجرية أقل إنصافاً مقارنة بزملاء قدموا من الوكالات المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء، ويقولون إن هؤلاء استفادوا من تسويات أجرية لم تشمل الفئة الأولى بالشكل نفسه.
المفارقة التي تستحق التوضيح هي أن ورشاً يروم إعادة تنظيم المرفق العمومي وتحسين أدائه يجد نفسه أمام سؤال الإنصاف داخل بنيته البشرية، فكيف يمكن الحديث عن توحيد التدبير وتكريس الحكامة، بينما تستمر، بحسب إفادات المعنيين، فوارق أجرية بين مسؤولين يتولون مهام متقاربة، ويتحملون أعباء تدبيرية وتقنية لا تقل أهمية في ضمان استمرارية الخدمات الأساسية؟
ولا يتعلق الأمر، في نظر المتضررين، بمجرد مقارنة بين كشوفات الأجور، بل بإحساس متنامٍ بغياب تكافؤ المعاملة داخل مؤسسات يفترض أن تجعل الكفاءة والمسؤولية أساساً للتقييم والتحفيز، فالمدير الإقليمي لا يقتصر دوره على الإشراف الإداري، بل يتحمل مسؤولية تدبير الموارد البشرية والإمكانات المالية، ومواكبة الأوراش التقنية، والتعامل مع الأعطاب والإكراهات الميدانية، وضمان استمرارية المرافق، فضلاً عن التنسيق مع السلطات المحلية والمنتخبين والإدارات والزبناء.
ومن هذا المنطلق، يطرح استمرار هذه الوضعية، وفق ما يرويه المعنيون، تساؤلات حول المعايير المعتمدة في تحديد الأجور والتعويضات، ومدى مراعاة اختلاف الأنظمة الأساسية والمسارات المهنية عند إدماج الأطر في البنية الجديدة. كما يثير سؤالاً حول ما إذا كانت الشركات الجهوية قد وضعت تصوراً موحداً وواضحاً لتدبير الموارد البشرية، بما يضمن الإنصاف دون الإخلال بالمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة للأجور.
الأكثر إثارة للقلق، بحسب المتضررين، هو ما يعتبرونه غياباً لتوضيحات مؤسساتية كافية بشأن أسباب استمرار الفوارق والآفاق الزمنية لمعالجتها. فحين يظل ملف يمس التحفيز والاستقرار المهني مفتوحاً لفترة طويلة، يصبح الصمت نفسه عاملاً في توسيع فجوة الثقة بين الأطر والإدارة، ويغذي المخاوف من تكريس تفاوتات داخلية يصعب تبريرها دون معطيات واضحة.
وتتزايد أهمية هذا الملف بالنظر إلى احتمال انعكاس الإحساس بعدم الإنصاف على الحافزية المهنية والاستقرار الوظيفي. ويحذر المعنيون من أن استمرار الوضع قد يدفع بعض الأطر إلى طلب الإعفاء من المسؤوليات أو البحث عن خيارات مهنية أخرى، بما قد يهدد بفقدان خبرات راكمت سنوات من التجربة في تدبير مرافق حيوية.
وإذا تحولت هذه المخاوف إلى قرارات فعلية بالمغادرة، فإن الخسارة لن تكون فردية فحسب، بل قد تمتد إلى استقرار التدبير الإقليمي واستمرارية المشاريع التشغيلية، خصوصاً في مرحلة انتقالية تحتاج فيها الشركات إلى تعبئة مواردها البشرية وتثبيت قواعد عمل واضحة ومنصفة.
إن معالجة هذا الملف لا تستدعي الاكتفاء بتبادل المراسلات أو تقديم وعود عامة، بل تتطلب فتح حوار مؤسساتي جاد بين إدارات الشركات الجهوية متعددة الخدمات والجهات الوصية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية، مع إشراك ممثلي الأطر المعنية، من أجل تشخيص أسباب الفوارق، وتحديد الأساس القانوني والتنظيمي للتسويات التي استفادت منها بعض الفئات، والكشف عن شروط استفادة باقي الأطر منها.
كما تقتضي المعالجة نشر معايير واضحة وموضوعية لتحديد الأجور والتعويضات، وتوضيح ما إذا كانت الفوارق ناتجة عن اختلاف الأنظمة الأساسية أو الوضعيات الإدارية أو قرارات التسوية، ثم وضع جدول زمني واقعي لمعالجة الاختلالات التي يثبت عدم تبريرها قانونياً أو مهنياً.
فالإنصاف الأجري لا يعني بالضرورة فرض تطابق آلي في جميع الأجور، لكنه يقتضي وجود قواعد شفافة ومبررات موضوعية للفوارق، بما يمنع تحول اختلاف المسارات المهنية السابقة إلى مصدر دائم للشعور بالإقصاء داخل المؤسسة الواحدة.
إن نجاح الشركات الجهوية متعددة الخدمات لا يقاس فقط بمؤشرات المردودية المالية، أو حجم الاستثمارات في الشبكات، أو عدد المشاريع المنجزة، بل كذلك بقدرتها على بناء مناخ مهني قائم على الثقة والتحفيز والوضوح في تدبير المسارات الوظيفية.
فلا يمكن مطالبة المسؤولين بتحمل أعباء متزايدة والمساهمة في إنجاح ورش استراتيجي، دون ضمان شروط مهنية وأجرية واضحة، كما لا يمكن اختزال الإصلاح في تغيير الهياكل التنظيمية إذا ظلت الأسئلة المتعلقة بالإنصاف وتثمين الخبرة دون أجوبة مقنعة.
وبين انتظارات الأطر ومقتضيات الإصلاح، يبقى السؤال المطروح على مسؤولي الشركات الجهوية متعددة الخدمات ووزارة الداخلية: لماذا طال انتظار توضيح هذا الملف، وما الجدول الزمني لمعالجة الفوارق الأجرية التي يعتبرها المعنيون غير منصفة؟
إن تقديم أجوبة واضحة وموثقة عن هذه الأسئلة سيكون خطوة ضرورية لاستعادة الثقة وتفادي تحول التذمر المهني إلى أزمة في تدبير الكفاءات. فالإصلاح المستدام لا يقوم على تحديث المرافق وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى عدالة في المعاملة، وشفافية في القرارات، وتثمين حقيقي للرأسمال البشري الذي يعوّل عليه لإنجاح هذا الورش الوطني.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد