هبة زووم – الرباط
أعادت المواجهة الكلامية التي جمعت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري برئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، إدريس الأزمي الإدريسي، خلال مناقشة البرنامج الحكومي، فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة، وحدود التنافس الحزبي حين يتحول البرلمان من فضاء لمناقشة السياسات العمومية إلى ساحة لتبادل الاتهامات واستحضار الملفات التاريخية.
وفي قراءة لهذه المواجهة، اعتبر الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري، في تدوينة نشرها عقب الجلسة، أن ما جرى يشكل اختباراً أولياً للحكومة والمعارضة، وقدّم تقييماً سياسياً منحازاً بوضوح إلى حزب العدالة والتنمية، معتبراً أنه «يعطي أكثر مما يأخذ»، مقابل انتقاده ما يراه استفادة أكبر لأحزاب أخرى من علاقتها بالدولة، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة.
مواجهة المنصوري والأزمي.. أكثر من سجال عابر
يرى الكنبوري أن المواجهة بين المنصوري والأزمي استأثرت باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن رئيسة الحكومة لم تتفاعل، بحسب قراءته، بالقدر الكافي مع ملاحظات المعارضة، بقدر ما ركزت على الرد على الاتهامات المرتبطة بحزب الأصالة والمعاصرة وملابسات نشأته.
وفي المقابل، توقف الباحث عند حدة مداخلة الأزمي، خصوصاً حين استحضر مواقف العدالة والتنمية خلال حراك 20 فبراير، مقدماً إياها دليلاً على أن الحزب اختار، وفق روايته، الدفاع عن المؤسسات والاستقرار في مرحلة سياسية حساسة.
غير أن هذه القراءة، على الرغم من وضوح موقف صاحبها، تظل تقييماً سياسياً لا حقيقة نهائية بشأن مواقف جميع الأحزاب أو أدوارها خلال تلك المرحلة. فمقارنة التجارب الحزبية تستدعي استحضار السياقات والوقائع الموثقة، لا الاكتفاء بتصنيف طرف باعتباره مدافعاً عن الدولة وآخر باعتباره متخلياً عنها.
«البيجيدي» و«البام».. صراع على رواية العلاقة بالدولة
تتمثل النقطة المركزية في تدوينة الكنبوري في المقارنة التي أقامها بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، إذ يرى أن الأول تعرض، في تقديره، للتهميش والاستهداف رغم تأكيده الدفاع عن المؤسسات والثوابت الوطنية، بينما استفاد الثاني من امتيازات سياسية ورمزية مرتبطة بنشأته ومساره.
ويعود هذا الطرح إلى نقاش قديم حول ظروف تأسيس الأصالة والمعاصرة، وعلاقته بمراكز النفوذ، وحدود استقلالية الأحزاب عن الدولة. غير أن توصيف الحزب بأنه «حزب الدولة» يظل حكماً سياسياً يحتاج إلى تفكيك تاريخي ومؤسساتي، ولا يكفي وحده لإثبات أن مواقفه وقراراته تصدر عن جهة رسمية أو تعكس بالضرورة إرادتها.
كما أن الدفاع عن المؤسسات لا يمكن أن يتحول إلى امتياز حصري لحزب بعينه، تماماً كما لا يصح اعتبار انتقاد الحكومة أو مساءلة سياساتها دليلاً تلقائياً على التشكيك في الدولة. ففي النظام الديمقراطي، يفترض أن تتنافس الأحزاب حول البرامج والاختيارات، مع احترام المؤسسات الدستورية والاحتكام إلى القواعد القانونية.
رواية عن نقاش خاص تثير سؤالاً أوسع
ومن بين أبرز ما أورده الكنبوري في تدوينته، استحضاره نقاشاً قال إنه جمعه قبل سنوات بمسؤول كبير في حزب الأصالة والمعاصرة، تحدث خلاله، بحسب روايته، عن الرغبة في فصل الدين عن الدولة وبناء مجتمع علماني.
وقد أثار هذا الاستحضار مسألة العلاقة بين المرجعيات الفكرية للأحزاب ومواقفها من الدين والدولة، خاصة في سياق مغربي يحتل فيه موقع إمارة المؤمنين مكانة دستورية ودينية خاصة.
لكن الواقعة، كما وردت في التدوينة، تظل شهادة شخصية ينقلها صاحبها عن حوار خاص، ولا يمكن تعميمها على الحزب بأكمله أو اعتبارها موقفاً رسمياً له من دون توثيق أو توضيح إضافي. فالتقييم السياسي الرصين يقتضي التمييز بين رأي فردي منسوب إلى مسؤول وبين التوجهات المعلنة في الوثائق والبرامج الرسمية للحزب.
بين الدفاع عن المؤسسات ومساءلة الأحزاب
يختم الكنبوري تدوينته بعبارة حادة يصف فيها بعض الممارسين للسياسة بأنهم «مراهقون»، مستخدماً صورة بلاغية تنتقد ما يعتبره توظيفاً لعلاقة الأحزاب بالدولة لتحقيق مكاسب سياسية.
وتكشف هذه اللغة عن مستوى الاحتقان الذي يحيط بالنقاش حول شرعية الأحزاب واستقلاليتها وأدوارها داخل المؤسسات. لكنها تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً يتجاوز التراشق بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة: كيف يمكن قياس استقلالية الأحزاب؟ وبأي معايير يمكن تقييم مساهمتها في حماية المؤسسات وتطوير الحياة الديمقراطية؟
فالمعيار لا ينبغي أن يكون ادعاء القرب من الدولة أو احتكار الدفاع عنها، بل احترام الدستور، والشفافية في التمويل والتدبير، والقدرة على تقديم بدائل سياسية، والخضوع للمساءلة، والالتزام بقواعد المنافسة الديمقراطية.
وبين قراءة الكنبوري ومواجهة المنصوري والأزمي، يبقى التحدي الحقيقي هو ألا تتحول مناقشة البرنامج الحكومي إلى صراع حول من يحتكر شرعية الدفاع عن المؤسسات، فالدولة ومؤسساتها أوسع من الأحزاب، والثقة فيها تتعزز بالممارسة الديمقراطية والمحاسبة والوضوح، لا بمجرد الشعارات أو تبادل الاتهامات.
تعليقات الزوار