هبة زووم – الرباط
أعاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح النقاش حول طبيعة الأزمة الاقتصادية التي تواجه فرنسا، واضعاً الديون العمومية وفوائدها في قلب قراءته لاختلالات النموذج الرأسمالي الأوروبي، ومعتبراً أن ما تعيشه المجتمعات الغربية من ضغوط معيشية يعكس، في نظره، كلفة نظام اقتصادي يقوم على الاستدانة وتراكم الالتزامات المالية.
وفي تدوينة جديدة، يرى الكنبوري أن ارتفاع المديونية الفرنسية وما يرافقه من أعباء خدمة الدين يضغطان على الاقتصاد، وتنعكس آثارهما على القدرة الشرائية ومستوى معيشة المواطنين، في سياق تتداخل فيه الاختلالات المالية مع الاحتقان الاجتماعي. ويذهب الباحث إلى أن الديون لم تكن مجرد أداة تمويل، بل تحولت تاريخياً، وفق قراءته، إلى وسيلة للضغط على الدول وإخضاع قراراتها الاقتصادية والسياسية.
ويستحضر الكنبوري في تحليله التجارب الاستعمارية، معتبراً أن الديون ساهمت في إضعاف دول وإتاحة المجال أمام القوى الأوروبية للتدخل في شؤونها، مستشهداً بتفكك الإمبراطورية العثمانية وبالتوسع الاستعماري في البلدان العربية وشمال إفريقيا، بما فيها المغرب.
وتعيد هذه القراءة إلى الواجهة النقاش بشأن العلاقة بين التمويل الخارجي والسيادة الوطنية، خصوصاً عندما تصبح خدمة الدين عبئاً ثقيلاً على الميزانيات العامة، أو ترتبط القروض بشروط تؤثر في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدول المدينة.
غير أن تفسير التجارب الاستعمارية بالمديونية وحدها يظل تبسيطاً لمسارات تاريخية معقدة؛ إذ تداخلت فيها عوامل عسكرية وسياسية واستراتيجية واقتصادية، واختلفت آليات التدخل من بلد إلى آخر.
وفي تناوله للوضع الفرنسي، يركز الكنبوري على ما يعتبره مفارقة داخل الاتحاد الأوروبي: فالوحدة النقدية التي وفرت للدول الأعضاء مزايا اقتصادية ومالية، تفرض في المقابل قيوداً على استقلال كل دولة في تدبير سياستها النقدية.
ففرنسا، باعتبارها عضواً في منطقة اليورو، لا تستطيع إصدار عملة وطنية مستقلة أو اتخاذ قرارات نقدية منفردة كما كان ممكناً في ظل عملة وطنية، لأن السياسة النقدية الموحدة تخضع لاختصاص البنك المركزي الأوروبي. ويرى الباحث أن هذا الوضع يضيّق هامش الخيارات المتاحة أمام باريس في مواجهة أزماتها المالية، ويضعها أمام خيارات صعبة تتعلق بمواصلة الاقتراض أو اللجوء إلى إجراءات تقشفية.
لكن أزمة المديونية لا تُفسَّر بعامل واحد؛ إذ تتداخل فيها مستويات الإنفاق العمومي، والإيرادات الضريبية، ومعدلات النمو، وأسعار الفائدة، والظروف الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية. كما أن الانتماء إلى منطقة اليورو لا يلغي جميع أدوات التدبير المالي، وإن كان يحد من استقلال القرار النقدي الوطني.
ويمضي الكنبوري في نقده إلى اعتبار الرأسمالية نظاماً يمنح الأفضلية للأقوى مالياً، بينما يدفع الفئات الأضعف إلى تحمل كلفة الأزمات. ويشبّه هذا المنطق بعلاقة غير متكافئة بين السلطة والثروة، حيث يستفيد الفاعل الاقتصادي القوي من فرص التراكم، في حين يجد نفسه أكثر عرضة للإقصاء عندما يفقد قدرته على المنافسة أو تتدهور أوضاعه المالية.
ويضع هذا الطرح مسألة العدالة الاجتماعية وتوزيع كلفة الأزمات في صلب النقاش الاقتصادي: فمن يتحمل تبعات ارتفاع خدمة الدين؟ وهل تُحمَّل الأسر والطبقات المتوسطة والفقيرة كلفة الاختلالات المالية عبر الضرائب أو تقليص الخدمات أو إجراءات التقشف، بينما تظل بعض المصالح الاقتصادية الكبرى أقل تعرضاً للضغط؟
وهي أسئلة تتجاوز الحالة الفرنسية لتلامس نقاشاً عالمياً بشأن حدود السياسات التقشفية، ودور الدولة في حماية الفئات الهشة، ومدى قدرة المؤسسات المالية على تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
وفي الجانب الفكري من تدوينته، يربط الباحث بين نظام الفوائد المالية وما يصفه بجذور الأزمة الأخلاقية للرأسمالية، مستحضراً تحريم الربا في الإسلام، ومؤكداً أن الاقتصاد الإسلامي لا يتطابق مع النموذجين الرأسمالي والاشتراكي.
كما يستحضر تجربة المفكر الإسلامي محمد باقر الصدر، الذي اشتغل على تأصيل رؤية اقتصادية إسلامية مستقلة، في محاولة للتمييز بين المرجعيات الفكرية والآليات التي يقوم عليها كل نظام اقتصادي.
غير أن الكنبوري يذهب في هذا الجزء إلى تعميمات حادة بشأن اليهود والربا، وهو طرح يستدعي التمييز بين نقد الممارسات المالية والمؤسسات الاقتصادية من جهة، وإسنادها إلى جماعة دينية بأكملها من جهة أخرى. فالربا والفوائد والمديونية قضايا لها تاريخ اقتصادي وقانوني واسع، ولا يصح اختزالها في هوية دينية أو تحميل جماعة بأكملها مسؤولية نشأة نظام مالي معقد.
ويختتم الكنبوري تدوينته بتوقع أفول النموذج الرأسمالي، معتبراً أن نظاماً يقوم على التوسع المستمر في الاستدانة واستنزاف الموارد لا يمكنه مواصلة المسار نفسه إلى ما لا نهاية.
وبينما تظل هذه الخلاصة جزءاً من قراءة فكرية نقدية، فإن مستقبل الرأسمالية يظل موضوعاً للنقاش الاقتصادي، ولا يمكن الجزم بانهيارها الوشيك اعتماداً على أزمة دولة واحدة، مهما بلغت حدة اختلالاتها.
وتعيد تدوينة الكنبوري، في المحصلة، طرح سؤال جوهري حول قدرة الأنظمة الاقتصادية الحديثة على التوفيق بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية، وحول الثمن الذي يؤديه المواطن عندما تتحول الديون من وسيلة لتمويل التنمية إلى عبء متزايد على الميزانيات العامة. فالأزمة الحقيقية لا تتعلق بحجم الدين وحده، بل بكيفية تدبيره، وبالجهة التي تستفيد من التمويل، وبمن يتحمل كلفة سداده.
تعليقات الزوار