هبة زووم – الجديدة
على بُعد أيام من انطلاق عمليات الحرث، يجد الفلاح الصغير بجهة الدار البيضاء–سطات نفسه أمام معادلة اقتصادية شديدة التعقيد، عنوانها ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة على تحمل أعباء موسم فلاحي جديد.
فمع غلاء الغازوال وارتفاع أسعار البذور والأسمدة، لم تعد الاستعدادات للموسم مجرد عملية تقنية مرتبطة بانتظار التساقطات المطرية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الفلاحين على الصمود أمام موجة من التكاليف التي تهدد بتقليص المساحات المزروعة وتعميق هشاشة العالم القروي.
وفي مناطق الشاوية، الممتدة عبر أقاليم من بينها برشيد وسطات والجديدة، تتزايد المخاوف من انعكاسات كلفة المحروقات على عمليات الحرث واستعمال الجرارات والآليات الفلاحية، في وقت تشكل فيه الأرض وتربية الماشية مصدر الدخل الأساسي لعدد من الأسر. وبين حسابات الموسم وإكراهات التمويل، يجد الفلاح البسيط نفسه محاصراً بين ضرورة استغلال الفترة المناسبة للحرث وعجزه عن مجاراة الارتفاع المتواصل في نفقات الإنتاج.
لم يعد ارتفاع أسعار الغازوال مجرد تفصيل في حسابات الفلاحين، بل أصبح عاملاً مؤثراً في كلفة مختلف العمليات الزراعية، من الحرث إلى إعداد الأرض للزراعة، خصوصاً لدى الذين يعتمدون على استئجار الجرارات والآليات بدل امتلاكها.
ومع ارتفاع كلفة تشغيل المعدات، تتزايد الضغوط على أسعار الحرث للهكتار الواحد، لتضاف إليها مصاريف البذور والأسمدة وباقي المدخلات الضرورية. والنتيجة أن الفلاح الصغير يجد نفسه أمام ميزانية موسمية تتضخم قبل أن يضع بذوره في الأرض، من دون ضمانات بشأن حجم المحصول أو مردودية الاستثمار، في ظل ارتباط النشاط الفلاحي بالتساقطات المطرية وتقلبات المناخ.
وتبرز خطورة هذا الوضع حين تصبح كلفة الانطلاق في الموسم عائقاً أمام استغلال الأراضي، إذ قد يضطر بعض الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو تأجيل الحرث، في انتظار تحسن الظروف أو توفر السيولة اللازمة. وهي اختيارات قد تبدو اضطرارية على المستوى الفردي، لكنها تطرح تساؤلات أوسع بشأن انعكاساتها المحتملة على الإنتاج الفلاحي ومداخيل الأسر القروية.
بالنسبة إلى الفلاح الصغير، لا يتعلق الأمر بارتفاع بند واحد من المصاريف، وإنما بتراكم تكاليف متعددة في مرحلة تتطلب توفير السيولة في وقت وجيز. فإلى جانب المحروقات، تفرض أسعار البذور والأسمدة التزامات إضافية، بينما يظل مردود الموسم رهيناً بعوامل لا يتحكم فيها الفلاح، وفي مقدمتها انتظام التساقطات وتوزيعها.
وتزداد المخاطر عندما يلجأ المنتجون إلى الاقتراض لتغطية مصاريف الانطلاق، على أمل تسديد الديون بعد الحصاد. فإذا لم تكن التساقطات في المستوى المطلوب، أو جاءت المردودية أقل من التوقعات، فقد يجد الفلاح نفسه أمام محصول لا يكفي لتغطية تكاليف الإنتاج والوفاء بالتزاماته المالية.
وهنا لا يعود الرهان مقتصراً على إنجاح موسم فلاحي جديد، بل يمتد إلى حماية استمرارية النشاط الزراعي نفسه، والحيلولة دون تحول كل موسم إلى مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة.
تضع هذه المؤشرات المؤسسات الوصية على القطاع الفلاحي أمام مسؤولية توضيح التدابير العملية المتخذة لمواكبة الفلاحين في هذه المرحلة الحساسة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالترويج للبرامج والمخططات، بل الكشف عن مدى ملاءمتها للواقع الميداني، والفئات التي تستفيد منها، والنتائج التي تحققها في تخفيف تكاليف الإنتاج.
كما يبرز سؤال نجاعة آليات الدعم والمواكبة المالية، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على توفير حلول تستجيب لحاجيات الفلاحين الصغار في الوقت المناسب، بدل تركهم يواجهون ارتفاع التكاليف بإمكانات محدودة.
وتحتاج المرحلة إلى معطيات دقيقة حول تطور كلفة الحرث والبذور والأسمدة، وحجم الدعم المتاح، وشروط الاستفادة منه، إلى جانب تقييم أثر برامج المواكبة على الفلاحين الذين لا يتوفرون على إمكانات مالية كافية. فكل تأخر في توفير حلول عملية قد يضيّق هامش الاختيار أمامهم، خصوصاً عندما تكون الفترة الزراعية المناسبة محدودة ولا تسمح بانتظار طويل.
إن الرهان في جهة الدار البيضاء–سطات لا ينحصر في تخفيف العبء المالي عن الفلاحين باعتباره مطلباً مهنياً، بل يرتبط أيضاً باستمرارية الإنتاج الزراعي، والحفاظ على مصادر دخل الأسر القروية، وتعزيز قدرة القطاع على مواجهة تقلبات الأسعار والمناخ.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى دراسة إجراءات دعم موجهة للفلاحين الصغار، وتحسين ولوجهم إلى التمويل، ومواكبتهم في اقتناء المدخلات الأساسية، مع تعزيز الشفافية بشأن برامج الدعم ومعايير الاستفادة منها. كما تظل مراقبة المنافسة وشفافية سلاسل التوزيع من الملفات التي تستحق التقييم، على أساس معطيات موثقة تحدد مواطن الاختلال والمسؤوليات المرتبطة بها.
وفي انتظار التساقطات المطرية التي يعوّل عليها الفلاحون لإنقاذ الموسم، يبقى السؤال المطروح أمام الوزارة الوصية والمديريات الفلاحية والسلطات الجهوية واضحاً: ما التدابير الملموسة التي ستواكب انطلاق الموسم، وما الضمانات التي ستساعد الفلاح الصغير على تحمل كلفة الإنتاج دون الوقوع في دوامة المديونية؟
فالفلاح الذي يواجه غلاء المحروقات والمدخلات الزراعية لا يحتاج إلى تطمينات عامة بقدر حاجته إلى حلول عملية في الوقت المناسب.** لأن حماية الموسم الفلاحي تبدأ قبل ظهور المحصول، من خلال تمكين المنتج من حرث أرضه وزراعتها، وتوفير شروط الاستمرار في نشاطه، حتى لا تتحول كلفة الإنتاج إلى حاجز يفصل الفلاح عن أرضه، ولا تصبح التساقطات المنتظرة رهانا وحيداً لمواجهة أزمة تتجاوز قدرة الفلاح الصغير على تحملها بمفرده.
تعليقات الزوار