هبة زووم – الرباط
لم يفصل بين رفع حزب الأصالة والمعاصرة شعار “من أجل تغيير المسار… كلمة وحدة” خلال الحملة الانتخابية، وبين تقديم فاطمة الزهراء المنصوري برنامج حكومتها أمام البرلمان، سوى 48 يوماً، وفق المعطيات الواردة في الوثيقتين موضوع المقارنة، غير أن هذه المدة القصيرة كانت كافية لإعادة فتح واحد من أكثر الأسئلة إحراجاً في السياسة: ماذا يبقى من الوعود الانتخابية عندما ينتقل أصحابها من استمالة الناخبين إلى تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام؟
دخل «البام» الانتخابات التشريعية ببرنامج تضمن عشرين التزاماً، وغلافاً مالياً إضافياً يناهز 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، ووعداً بإحداث مليون منصب شغل صافٍ.
أرقام كبيرة قُدمت باعتبارها مؤشرات على الجدية وقابلية التنفيذ والتتبع، لا مجرد شعارات للاستهلاك الانتخابي، لكن الخطاب الذي عرضته المنصوري أمام مجلسي البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 لم يستعد هذه الأرقام كلها، ولم يحتفظ في عدد من الملفات بالتفاصيل والآجال والوسائل التي تضمنها برنامج الحزب.
هنا تبدأ المساءلة الحقيقية: هل نحن أمام إعادة ترتيب مشروعة للأولويات بسبب طبيعة الائتلاف الحكومي والإكراهات المالية، أم أمام تخفيف تدريجي للالتزامات التي قُدمت للناخبين بلهجة حاسمة؟ لا يكفي غياب رقم عن خطاب حكومي لإثبات إلغاء وعد، لكنه يكفي لطرح سؤال سياسي مشروع عن مصيره، وعن الأسباب التي حالت دون إعادة إدراجه بصيغته الأصلية.
مليون منصب شغل.. الوعد الذي فقد رقمه
أكثر ما يستوقف في المقارنة هو غياب الالتزام بإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال خمس سنوات، بمعدل لا يقل عن 200 ألف منصب سنوياً، مع خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة في أفق سنة 2031.
لم يكن الرقم هامشياً في البرنامج الانتخابي لـ«البام»، بل كان من أبرز الوعود التي ربط بها الحزب مشروعه الاقتصادي والاجتماعي. كما قدم تصوراً قطاعياً للوظائف المستهدفة، شمل الصناعة والفلاحة والخدمات ذات القيمة المضافة والأنشطة المرتبطة بكأس العالم 2030 واقتصاد الرياضة.
أما البرنامج الحكومي، فقد ركز على تكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين نحو 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، ومواكبة 60 ألف مقاولة، وهي إجراءات قد تسهم في تحسين قابلية الشباب للتشغيل، لكنها لا تعادل تلقائياً إحداث مليون منصب شغل صافٍ؛ فالتكوين ليس وظيفة، والتجربة المهنية لا تضمن بالضرورة الاستقرار في العمل، ومواكبة المقاولات لا تعني أن كل واحدة منها ستخلق مناصب جديدة.
والسؤال الذي يستحق جواباً مباشراً هو: أين الهدف السنوي لخلق الوظائف؟ وأين الالتزام بخفض البطالة إلى 7 في المائة؟ وهل ستقدم الحكومة مؤشراً بديلاً واضحاً يمكن قياسه ومحاسبتها عليه؟
إن تحويل التشغيل من هدف رقمي محدد إلى حزمة برامج عامة قد يكون خياراً حكومياً، لكنه لا يعفي من واجب تفسير هذا التحول. فالناخب الذي استمع إلى وعد بمليون منصب شغل لا ينبغي أن يُترك أمام إجراءات متفرقة دون معرفة الحصيلة الصافية المنتظرة منها.
350 مليار درهم.. أين ذهبت خريطة التمويل؟
لم يكتف “البام” بتحديد أهدافه، بل أعلن كلفة إضافية تقديرية تناهز 350 مليار درهم بين 2027 و2031، موزعة على القدرة الشرائية والخدمات العمومية وإدماج الشباب والأمن الاستراتيجي.
كان تحديد هذه الكلفة جزءاً من حجة الحزب بشأن قابلية برنامجه للتنفيذ. لكن الخطاب الحكومي لم يعرض الغلاف الإجمالي نفسه ولا توزيعاً مماثلاً للنفقات، رغم احتفاظه بأهداف تتعلق بالنمو والتضخم وعجز الميزانية والمديونية.
ومن الطبيعي أن تختلف كلفة البرنامج الحزبي عن كلفة برنامج ائتلافي، وأن تتغير الأولويات بعد دراسة الإمكانات المالية. غير أن هذا التبرير، إن كان هو المعتمد، يستدعي توضيحاً لا صمتاً، هل ما زالت الالتزامات الاجتماعية نفسها قائمة؟ وهل تغيرت كلفتها؟ وما مصادر تمويلها؟ وما المشاريع التي ستُعطى الأولوية على حساب غيرها؟
فالوعود التي لا ترتبط بميزانية واضحة وجدول زمني محدد تظل معرضة للتأجيل، مهما كانت صياغتها جذابة. وإذا كان الحزب قد اعتبر أن الكلفة جزء من مصداقية برنامجه، فإن الرأي العام ينتظر من الحكومة توضيحاً مالياً مماثلاً يسمح بتتبع التنفيذ.
الكهرباء والضرائب.. حين تتغير شروط الاستفادة
في ملف القدرة الشرائية، وعد «البام» بمجانية فاتورة الكهرباء الشهرية التي تقل عن 100 درهم، بينما تحدث البرنامج الحكومي عن تعويض اجتماعي تلقائي يعادل قيمة الفاتورة التي لا تتجاوز هذا السقف، شريطة أن يتعلق الأمر بالسكن الرئيسي للأسر المستحقة.
هذا التغيير يطرح سؤالاً جوهرياً حول نطاق المستفيدين، ومعايير الاستحقاق، وكيفية التحقق منها. فالوعد الانتخابي صيغ بصورة أوسع، بينما ربطت الصياغة الحكومية الاستفادة بشروط اجتماعية محددة، وقد يكون لهذا التعديل مبرر مالي أو اجتماعي، لكن من حق المواطنين معرفة معاييره، والفئات التي ستشملها المنفعة، وموعد دخولها حيز التنفيذ.
أما الضريبة على الدخل، فقد قدم الحزب تصوراً يتضمن إعفاء أجور تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة، واعتماد نسب محددة لمستويات الدخل الأعلى، لكن الخطاب الحكومي اكتفى بالحديث عن إصلاح تدريجي يروم رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به.
والفارق واضح: أرقام محددة في البرنامج الانتخابي، مقابل توجه عام في الخطاب الحكومي. فهل ستُعتمد الأشطر نفسها؟ وهل ستتغير؟ ومتى سيُعرض الإصلاح على النقاش التشريعي؟
لا يمكن مطالبة المواطنين بالانتظار إلى أجل غير محدد باسم الإصلاح التدريجي. فكلما تعلق الأمر بالدخل والقدرة الشرائية، تصبح التفاصيل والآجال جزءاً أساسياً من صدقية الالتزام.
المعاشات والسكن.. الاحتفاظ بالوعد لا يكفي
احتفظ البرنامج الحكومي بتعهدات اجتماعية بارزة، من بينها الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، وتحسين معاشات الأرامل، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية.
لكن الفارق يكمن أيضاً في الجدولة الزمنية، فقد ربط البرنامج الانتخابي بلوغ الحد الأدنى للمعاشات 3000 درهم بالسنة الثانية من الولاية، بينما تحدث الخطاب الحكومي عن الرفع التدريجي دون تحديد أجل مماثل.
والأجل ليس تفصيلاً تقنياً؛ إنه جزء من الوعد نفسه، فالتزام يُربط بتاريخ محدد يتيح للمواطنين مراقبة التنفيذ، أما الالتزام المفتوح فيمنح هامشاً أكبر للتأجيل دون أن تتضح نقطة التقييم.
وفي ملف السكن، ظل وعد إنجاز أو تأهيل 100 ألف مسكن قروي، مع دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسر المؤهلة، حاضراً في الخطاب الحكومي، دون أن يحسم مصير الهدف الأوسع المتعلق بتمكين 500 ألف أسرة من سكن لائق خلال خمس سنوات.
وبين التعهدات التي استمرت وتلك التي أعيدت صياغتها، تظل الحاجة قائمة إلى جدول حكومي يوضح الأهداف النهائية، وعدد المستفيدين، والكلفة، والآجال، حتى لا يتحول الدعم الاجتماعي إلى مجموعة من العناوين التي يصعب تقييم أثرها.
الصحة والتعليم والرقمنة.. مشاريع تنتظر توضيح مصيرها
في القطاع الصحي، لم يكرر الخطاب الحكومي الأرقام الانتخابية المتعلقة بإنجاز أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة في بني ملال وكلميم والرشيدية والدار البيضاء قبل نهاية 2028، إلى جانب تأهيل 1600 مركز صحي و90 مستشفى جهوياً وإقليمياً.
وفي التعليم، انتقل التركيز من إجراءات محددة، مثل تعميم التعليم الأولي من سن الرابعة والتوقيت الدراسي والقراءة والتربية البدنية، إلى أهداف تتعلق بجودة التعلمات، أبرزها بلوغ نسبة 80 في المائة من التلاميذ المتحكمين في الكفايات الأساسية بحلول 2031، والسعي إلى «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030.
أما في المجال الرقمي، فلم تتكرر الأهداف المتعلقة بتجهيز 80 في المائة من المساكن بالألياف البصرية وإحداث 1500 فضاء رقمي مواطناتي، وفي الأمن المائي والطاقي، استمر التوجه نحو الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر، بينما لم تُعد جميع الأرقام الأصلية الخاصة بمخزون المحروقات والمنشآت المائية ومحطات التحلية والنقط المائية الرعوية.
لا يعني غياب هذه الأرقام بالضرورة أن المشاريع أُلغيت، لكن من غير المقبول أن يظل مصيرها معلقاً بين احتمال الاستمرار واحتمال التعديل. المطلوب بيان رسمي يحدد ما أُدرج في البرنامج الحكومي، وما أُعيدت برمجته، وما تقرر التخلي عنه، مع تقديم المبررات.
حين ترتفع بعض الالتزامات.. لا تسقط المحاسبة
لم تتجه جميع التغييرات نحو تخفيف الوعود، ففي الصفقات العمومية، ارتفعت النسبة المعلنة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة من 15 في المائة في برنامج الحزب إلى 30 في المائة في الخطاب الحكومي، مع التعهد بتعزيز الرقابة على الصفقات والتصدي للتواطؤ بين المتنافسين.
كما تضمن الخطاب الحكومي تعهدات تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، إلى جانب تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
وهذه الإضافات مهمة، لكنها لا تلغي الأسئلة بشأن الوعود التي فقدت أرقامها أو آجالها. فالمحاسبة لا تعني انتقاء الالتزامات التي يسهل عرضها، بل تتطلب رؤية شاملة تفسر ما تحقق وما تغير وما تأجل.
الناخب لا يصوت على العناوين وحدها
في المحصلة، لا يمكن اختزال المقارنة في اتهام الحكومة بالتراجع عن كل وعود الحزب، كما لا يمكن اعتبار استمرار بعض التوجهات دليلاً كافياً على الوفاء الكامل بالبرنامج الانتخابي. المطلوب هو التمييز بين الالتزام الذي احتُفظ به، والالتزام الذي تغيرت صياغته، والهدف الذي غاب عن الخطاب، والقرار الذي أُلغي رسمياً بوثيقة واضحة.
لكن المسؤولية السياسية تفرض على الحكومة أن تشرح هذه الفوارق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأرقام استُخدمت لإقناع الناخبين: مليون منصب شغل، و350 مليار درهم، ونسب محددة للضرائب والدعم، وآجال لمشاريع صحية واجتماعية.
إن الاختبار الحقيقي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري لن يكون في عدد الوعود التي تعيد إعلانها، بل في قدرتها على تحويلها إلى أهداف قابلة للقياس، بميزانيات معلنة وآجال محددة وتقارير دورية عن التنفيذ.**
فهل كان شعار “تغيير المسار” التزاماً سياسياً سيصمد أمام اختبار السلطة، أم أن المسار تغير فعلاً من لغة الأرقام إلى لغة التوجهات العامة؟
الجواب لا يُستخلص من الخطاب وحده، بل من الوثائق الرسمية، والميزانيات، والقرارات التشريعية، والنتائج التي سيعاينها المواطن. ومن حق الناخب أن يطالب بتفسير واضح لكل وعد تغير، لأن الثقة السياسية لا تُبنى على قوة الإعلان، بل على وضوح الالتزام والقدرة على الوفاء به.
تعليقات الزوار