جامعة الجيدو.. لا يكفي عرض الحصيلة لتطوير الرياضة ما لم تُكشف مكامن الخلل وتُعالج الاختلالات

هبة زووم – عبدالعالي حسون
لا يكفي أن تُرفع شعارات الحكامة والشفافية داخل الجموع العامة للجامعات الرياضية حتى تصبح واقعاً ملموساً، كما لا يكفي عرض المبيانات والإحصائيات لإثبات نجاح التدبير أو إقناع الأندية والممارسين بأن أوضاع رياضتهم تسير في الاتجاه الصحيح.
فالمعيار الحقيقي لأي حصيلة ليس حجم الوثائق المعروضة، بل قدرتها على تقديم أجوبة واضحة عن مكامن الخلل، وتحديد المسؤوليات، ورسم مسار عملي لتصحيح الاختلالات.
ومن هذا المنطلق، يشكل الجمع العام العادي للجامعة الملكية المغربية للجيدو وفنون الحرب المشابهة، برسم الموسم الرياضي 2025/2026، مناسبة لطرح سؤال جوهري: هل سينتقل النقاش من تشخيص الوضع إلى معالجة أسبابه، أم ستظل الملاحظات المسجلة مجرد فقرات في تقرير أدبي سرعان ما يُطوى بانتهاء أشغال الجمع العام؟
لقد استعرض التقرير الأدبي حصيلة الموسم، متوقفاً عند المكتسبات المحققة والإكراهات وجوانب القصور التي تستدعي المعالجة. وهي خطوة تكتسب أهميتها حين تكون مدخلاً لمراجعة الاختيارات وتقييم الأداء، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها إذا لم تُرفق بتوضيحات دقيقة بشأن أسباب التعثر، والإجراءات التصحيحية المقترحة، والجهات المكلفة بتنفيذها، والآجال المحددة لذلك.
فالإقرار بوجود اختلالات ليس إنجازاً في حد ذاته، بل بداية للمساءلة. والحديث عن الإكراهات لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة لتبرير التعثر أو ترحيل الملفات العالقة من موسم رياضي إلى آخر.
المطلوب هو الانتقال من لغة التشخيص العام إلى ثقافة التدبير القائم على الأهداف والنتائج، حيث تُقاس المسؤولية بما تحقق فعلياً، لا بما أُدرج في التقارير.
الإحصائيات وحدها لا تصنع حكامة رياضية
وقد حظيت المبيانات والمعطيات الإحصائية المتعلقة بالرخص والمشاركة والأنشطة باهتمام خلال النقاش، بالنظر إلى ما توفره من مؤشرات تساعد على قراءة الحصيلة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على تطور الجيدو المغربي؟
إن عدد الرخص والمشاركات والأنشطة يظل مؤشراً مهماً، لكنه لا يقدم الصورة الكاملة ما لم يُربط بجودة التأطير، وتوسيع قاعدة الممارسين، وتطوير التكوين، وتحسين ظروف اشتغال الجمعيات، وتعزيز حضور الجيدو في مختلف المناطق، فضلاً عن قياس أثر البرامج المعتمدة على المستوى التقني والتنافسي.
كما أن الشفافية لا تعني نشر الأرقام فحسب، بل تقتضي تفسيرها ووضعها في سياقها، ومقارنتها بنتائج المواسم السابقة، وتحديد الأهداف التي تحققت وتلك التي لم تتحقق، مع تقديم مبررات واضحة للفوارق المسجلة. فالأرقام التي لا تقود إلى قرارات عملية قد تتحول إلى مجرد واجهة إحصائية لا تكشف وحدها حقيقة الأداء.
الجمع العام ليس محطة شكلية
إن قيمة الجموع العامة للجامعات الرياضية تكمن في قدرتها على توفير فضاء فعلي للنقاش والمساءلة، لا في مجرد استكمال الإجراءات التنظيمية وعرض التقارير. ومن حق مكونات أسرة الجيدو أن تعرف ما الذي تغير خلال الموسم، وما الذي تعثر، وما الإجراءات التي ستُعتمد لتجاوز الصعوبات.
كما أن الحديث عن الديمقراطية واحترام الآراء يكتسب معناه الحقيقي عندما تكون الملاحظات، مهما كانت طبيعتها، موضع نقاش جدي، وعندما تتحول التوصيات إلى التزامات قابلة للتتبع، فالنقد البناء لا ينبغي أن يُختزل في إبداء الملاحظات، بل يجب أن يفتح الباب أمام مراجعة القرارات والبرامج كلما أظهرت النتائج الحاجة إلى ذلك.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تقييم واضح لمدى استفادة الأندية والجمعيات من برامج الجامعة، ومستوى مواكبتها، وعدالة توزيع فرص التكوين والمشاركة، ومدى قدرة المنظومة على توفير شروط ممارسة رياضية منتظمة ومنصفة، وهي أسئلة مشروعة لا تعني بالضرورة وجود اختلالات مثبتة، لكنها تفرض نفسها كلما رُفعت الحكامة إلى مستوى الالتزام المؤسسي.
من حصيلة الموسم إلى مسؤولية المستقبل
إن تطوير الجيدو المغربي لا يمكن أن يتحقق عبر الاجتماعات والتقارير وحدها، بل يحتاج إلى رؤية عملية تتجاوز التدبير الموسمي نحو بناء منظومة مستدامة، تستثمر في التكوين والتأطير، وتدعم الجمعيات، وتوسع قاعدة الممارسة، وتضع أهدافاً قابلة للقياس والتقييم.
ويقتضي ذلك أن تنتهي النقاشات بخلاصات واضحة، تتضمن أولويات محددة، وإجراءات قابلة للتنفيذ، وآجالاً مضبوطة، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج خلال الموسم المقبل.
كما يتطلب الأمر تعزيز التواصل مع الأندية والممارسين، وتوضيح كيفية التعامل مع الملاحظات المسجلة، حتى لا تتحول الدعوة إلى التعاون إلى شعار عام لا ينعكس على واقع الممارسة.
إن الامتحان الحقيقي للجامعة الملكية المغربية للجيدو وفنون الحرب المشابهة لا يبدأ عند تقديم التقرير الأدبي، ولا ينتهي بالمصادقة عليه؛ بل يبدأ بعد الجمع العام، حين يصبح مطلوباً ترجمة النقاش إلى قرارات، والملاحظات إلى إصلاحات، والوعود إلى نتائج ملموسة.
فهل يشكل جمع عام الموسم الرياضي 2025/2026 نقطة انطلاق لمراجعة حقيقية وتطوير آليات التدبير، أم سيضاف إلى سلسلة المحطات التي تُعرض فيها الحصيلة دون أن يعرف الرأي العام الرياضي، بصورة دقيقة، ما الذي تغير فعلاً على أرض الواقع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد