الأزمي يهاجم المنصوري تحت قبة البرلمان.. ملفات شائكة واتهامات متبادلة تطغى على مناقشة البرنامج الحكومي

هبة زووم – الرباط
لم تكن جلسة مناقشة والتصويت على البرنامج الحكومي، وفق ما عكسته مداخلة رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي، مجرد محطة لعرض التصورات الحكومية والرد على انتقادات المعارضة، بل تحولت إلى مواجهة سياسية حادة مع رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، امتزجت فيها الأسئلة المرتبطة بالبرنامج الحكومي باستحضار ملفات سياسية وانتخابية ورياضية أثارت جدلاً واسعاً.
الأزمي، الذي انتقد طريقة تفاعل المنصوري مع مداخلات رؤساء الفرق النيابية، اتهمها بالاكتفاء بما وصفه بـ«التبريد على قلبها»، بدل تقديم أجوبة سياسية مباشرة عن ملاحظات المعارضة، كما رفض اتهاماتها لحزب العدالة والتنمية بازدواجية الخطاب والتشكيك في المؤسسات.
لكن حدة المواجهة سرعان ما تجاوزت حدود النقاش حول البرنامج الحكومي، بعدما استحضر الأزمي محطات سياسية سابقة ووجّه رسائل مباشرة إلى مكونات الأغلبية، في خطاب كشف حجم التوتر بين الطرفين، وأعاد إلى الواجهة ملفات لا تزال موضوع سجال سياسي.
20 فبراير.. استدعاء الماضي لمواجهة الحاضر
في معرض دفاعه عن حزبه، استحضر الأزمي مواقف العدالة والتنمية خلال حركة 20 فبراير، مؤكداً أن الحزب كان، بحسب تعبيره، إلى جانب المؤسسات والاستقرار والثوابت الوطنية والاختيار الديمقراطي.
ولم يكتف بذلك، بل وجّه انتقادات مبطنة إلى خصومه السياسيين، مستحضراً من قال إن بعضهم شارك في الحركة، فيما اختار آخرون التوجه إلى باريس. وهي إشارات أعادت النقاش إلى مرحلة سياسية سابقة، لكنها طرحت في المقابل سؤالاً حول مدى فائدة استحضار الصراعات الماضية في جلسة يفترض أن يكون محورها الأساسي تقييم برنامج حكومي ومساءلة رئيسة الحكومة عن أولوياته والتزاماته.
فالمعارضة تملك حق الدفاع عن تجربتها السياسية والرد على الاتهامات الموجهة إليها، غير أن قوة هذا الدفاع تظل مرتبطة بقدرته على تقديم حجج واضحة بشأن السياسات العمومية والبدائل المقترحة، لا بمجرد استحضار سجل الخصوم.
من طنجة إلى ميدلت.. رسائل سياسية بملفات حساسة
ومن أكثر لحظات المداخلة حدة، رد الأزمي على حديث المنصوري عن ملف «الشكارة الانتخابية» بطنجة، الذي اعتبرته، وفق ما ورد في التصريحات المنقولة، ملفاً شخصياً وليس حزبياً.
الأزمي رفض هذا الطرح، مشيراً إلى أن المعني بالأمر يتحمل مسؤولية كبيرة داخل الحزب المعني، قبل أن يقارن ذلك بملف ميدلت، قائلاً إن حزبه اتخذ موقفاً من واقعة مرتبطة بمبلغ ألف درهم.
وتحمل هذه المقارنة رسالة سياسية واضحة بشأن ما يعتبره الأزمي تفاوتاً في التعامل مع الملفات التي تثار حول الفاعلين السياسيين. غير أن الحسم في مثل هذه القضايا يقتضي التمييز بين الاتهامات المتداولة والوقائع المثبتة، والاحتكام إلى نتائج التحقيقات والأحكام القضائية عند وجودها، بدل الاكتفاء بالتراشق السياسي.
كما أثار الأزمي ملف المخدرات، قائلاً إن حزبه يملك ما يقوله بشأنه، لكنه يتحفظ عن الخوض في تفاصيله مراعاة لصورة البلاد، قبل أن يلمح إلى أشخاص يوجدون في السجون على خلفية قضايا وصفها بالخطيرة.
وهي تصريحات ثقيلة سياسياً، لكنها تظل بحاجة إلى توضيحات دقيقة بشأن الملفات والأشخاص المقصودين، تفادياً لتحويل الإشارات العامة إلى اتهامات غير محددة، أو ترك المجال مفتوحاً لتأويلات لا تسندها معطيات معلنة.
السياسة والرياضة والعقار.. توسيع دائرة الاشتباك
ولم تتوقف المواجهة عند الملفات الانتخابية، إذ انتقد الأزمي ما اعتبره احتكاراً حزبياً لتسيير المجال الرياضي، في إشارة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن الجمع بين السياسة والرياضة يطرح إشكالاً في توزيع النفوذ والمسؤوليات.
كما رد على ما فهمه من كلام المنصوري بشأن المرأة، مؤكداً أن المرأة حاضرة في مختلف فضاءات الحياة، قبل أن يستحضر تجربة حكومة العدالة والتنمية في دعم الأرامل.
وفي ملف آخر، لمح الأزمي إلى استغلال أراضٍ فلاحية وتحويلها إلى مشاريع عقارية ترتفع قيمتها إلى مليارات الدراهم، متحدثاً عن عمليات تغيير تخصيص الأراضي وإعادة تقييمها.
وتظل هذه الإشارات، بالنظر إلى حساسيتها، بحاجة إلى معطيات ووثائق محددة تتيح التمييز بين الانتقاد السياسي والوقائع التي يمكن التحقق منها.
وفي ختام مداخلته، اتهم الأزمي المنصوري بالتحدث بمنطق منسقة لحزب الأصالة والمعاصرة، لا بمنطق رئيسة حكومة يفترض أن تمثل جميع المغاربة، قبل أن يوجه إليها عبارة: «نساي عليك ساندروم ديال البيجيدي».
البرنامج الحكومي في الخلفية.. من يربح معركة الخطاب؟
تكشف هذه المواجهة أن العلاقة بين الحكومة والمعارضة مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصاً عندما تتداخل مناقشة السياسات العمومية مع استدعاء الملفات الخلافية وتبادل الاتهامات السياسية.
لكن السؤال الأهم يظل مرتبطاً بما غاب أو تراجع حضوره وسط هذا السجال: ما الالتزامات التي قدمها البرنامج الحكومي؟ وما الآجال المحددة لتنفيذها؟ وكيف ستتم معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين؟ وما الضمانات التي تسمح بتحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة؟
فمن حق المعارضة أن تواجه رئيسة الحكومة بخطاب حاد، ومن حق الأغلبية أن ترد على انتقاداتها، لكن البرلمان يفقد جزءاً من وظيفته الرقابية عندما تتحول الملفات الكبرى إلى مجرد أدوات للتجاذب الحزبي، من دون تقديم معطيات دقيقة أو مساءلة مباشرة عن السياسات والقرارات.
وبين تصعيد الأزمي وردود المنصوري، تبقى المحكّة الحقيقية هي قدرة الطرفين على الانتقال من منطق تسجيل النقاط إلى منطق تقديم الأدلة والبدائل، لأن المواطنين لا ينتظرون فقط مناظرة سياسية ساخنة، بل أجوبة واضحة عن معيشتهم وخدماتهم وحقوقهم، وحصيلة يمكن محاسبة المسؤولين عنها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد