هبة زووم – الرباط
اختار البرلماني العربي الشريعي، خلال الجلسة العمومية المنعقدة يوم الخميس 22 أكتوبر 2026 بمجلس النواب لمناقشة البرنامج الحكومي، أن يضع مضامين الوثيقة الحكومية أمام اختبار مختلف عن منطق تعداد الوعود والالتزامات، مركزاً على السؤال الأكثر حساسية في أي برنامج حكومي: من أين سيأتي المال لتنفيذ كل ما تم الإعلان عنه؟
ومن هذا المنطلق، اعتبر الشريعي أن قيمة البرنامج الحكومي لا تقاس بعدد صفحاته ولا بكثرة محاوره ووعوده، وإنما بوضوح التزاماته، وواقعية أهدافه، ومصداقية تمويله، وقدرته على تحويل ما هو مكتوب في الوثائق الرسمية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
وأشار إلى أن البرنامج، الممتد على 130 صفحة والموزع على سبعة محاور، يتضمن مجموعة من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية الكبرى، من بينها تخفيض الضريبة على الدخل، ومضاعفة الدعم الاجتماعي المباشر، وإقرار حد أدنى للمعاشات في حدود ثلاثة آلاف درهم، وتخصيص 130 مليار درهم للمجالات الترابية، بالتوازي مع الالتزام بخفض العجز والمديونية.
غير أن الشريعي رأى أن حجم هذه الالتزامات يفرض تقديم أجوبة دقيقة حول كلفتها الحقيقية ومصادر تمويلها، وكيفية ضمان استمرارها، حتى لا تتحول البرامج الحكومية إلى قائمة طويلة من التعهدات التي يصعب قياس نتائجها لاحقاً.
في ملف التشغيل، توقف البرلماني عند تعهد الحكومة بإحداث 200 ألف منصب شغل سنوياً، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، متسائلاً عن الضمانات العملية التي تجعل هذه الأهداف قابلة للتحقق، وليس مجرد أرقام معلنة ضمن برنامج حكومي.
كما طرح سؤالاً أكثر ارتباطاً بالمستقبل، يتعلق بفرص الشغل التي ستنتج عن الأوراش المرتبطة بكأس العالم 2030، متسائلاً عما سيحدث لهذه المناصب بعد انتهاء التظاهرة.
وبالنسبة إليه، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في خلق فرص مؤقتة مرتبطة بحجم الأوراش والاستعدادات للمونديال، بل في بناء اقتصاد قادر على الحفاظ على الوظائف وإنتاج فرص شغل مستدامة بعد انتهاء الحدث.
وفي ما يتعلق بالأولويات، كان موقف حزب الإنصاف، كما عرضه الشريعي، واضحاً في الدعوة إلى إعادة ترتيبها، بحيث يتقدم العالم القروي والمناطق المهمشة على المشاريع التي قد لا تكون لها الأولوية نفسها بالنسبة للمواطنين في عدد من المجالات.
فالمعيار، وفق هذا الطرح، لا ينبغي أن يكون حجم المشروع أو كلفته أو قدرته على الظهور في واجهة المشهد، وإنما مدى استجابته للحاجيات الفعلية للسكان.
كما دعا إلى إعطاء النساء والشباب موقعاً أكثر حضوراً في السياسات العمومية، بدل الاستمرار في تكرار الوعود نفسها التي طال انتظار ترجمتها إلى إجراءات ملموسة.
ولم يغفل الشريعي ملف مغاربة العالم، منتقداً، من موقعه، اختزال علاقتهم بالبلاد في التحويلات المالية والمساهمات الاقتصادية.
وأكد أن مغاربة العالم مواطنون كاملو الحقوق، مستحضراً الفصل 17 من الدستور الذي يقر حقهم في المشاركة السياسية، ناخبين ومنتخبين.
وبذلك، طرح الشريعي مسألة التمثيلية السياسية لمغاربة العالم باعتبارها، وفق قراءته، استحقاقاً دستورياً ينبغي أن يجد طريقه إلى الممارسة الفعلية، وليس مجرد عنوان يتكرر في الخطابات والمناسبات.
وفي واحد من أكثر محاور المداخلة ارتباطاً بالحكامة، انتقل الشريعي إلى ملف الفساد وتضارب المصالح، معتبراً أن مجرد الإعلان عن تجريم تضارب المصالح لا يكفي إذا لم تواكبه آليات دقيقة وقابلة للتطبيق.
واستند في مداخلته إلى الفصل 36 من الدستور، مذكراً بأن المقتضيات الدستورية تتضمن أصلاً أحكاماً مرتبطة بزجر استغلال مواقع النفوذ والامتياز، كما استحضر المادة 162 من مرسوم الصفقات العمومية وما تتضمنه من مقتضيات لمحاربة الغش والرشوة وتنازع المصالح.
وبالتالي، فإن الإشكال، حسب الشريعي، لا يكمن فقط في إعادة التأكيد على المبادئ، وإنما في الانتقال إلى وضع قواعد واضحة تحدد عناصر الجريمة وشروط المتابعة والجزاءات المترتبة عنها.
فالحديث عن الحكامة، وفق هذا المنظور، لا يستقيم من دون ربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان نزاهة الانتخابات والمؤسسات.
وانتقد الشريعي ما اعتبره غياباً للمعالجة العملية للإكراهات المرتبطة بالتدبير المفوض والشراكة بين القطاع العام والخاص.
وأشار إلى النقاش الذي رافق التدبير المفوض، وإلى ما وقف عليه المجلس الأعلى للحسابات في هذا المجال، فضلاً عن الجدل العمومي الذي واكب مشروع تحلية مياه البحر.
ومن وجهة نظره، فإن هذه الملفات لا تحتاج إلى عناوين عامة بقدر ما تحتاج إلى تقييم واضح للاختلالات والإكراهات، وتحديد المسؤوليات والآليات التي تسمح بتجاوزها.
كما وجه الشريعي ملاحظاته إلى الحديث عن إدماج الشباب في الصفقات الكبرى المرتبطة بكأس العالم 2030، معتبراً أن هذا الشعار يحتاج إلى ترجمة عملية.
وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الصفقات المرتبطة بالبنيات التحتية يوجد، بحسب معطياته، في طور الإنجاز أو يقترب من نهايته، متسائلاً عن الكيفية التي سيتم بها عملياً إدماج الشباب في هذه الأوراش.
ودعا، في هذا السياق، إلى تحديد الوحدات الاقتصادية والمقاولات القادرة فعلياً على ولوج الصفقات الكبرى، سواء من حيث الإمكانيات المالية أو القدرات التقنية والتأطيرية، بدل الاكتفاء بخطاب عام حول “إدماج الشباب”.
وفي الجانب الاجتماعي والإنساني، أثار الشريعي ملف الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية أو نفسية، معتبراً أن هذا الملف لم يحظ بالمكانة التي يستحقها ضمن البرنامج الحكومي.
وأشار إلى أوضاع أشخاص يوجدون في عدد من شوارع المدن التي ستحتضن مباريات كأس العالم، ويعيش بعضهم، وفق ما أورده، دون رعاية صحية منتظمة أو مأوى مناسب أو مواكبة اجتماعية مستمرة.
وشدد على أن هؤلاء مواطنون لهم كرامتهم وحقوقهم، وأن التعامل مع وضعياتهم ينبغي أن يقوم على العلاج والحماية وإعادة التأهيل والمواكبة الاجتماعية، وليس على الإقصاء أو الوصم.
وطالب حزب الإنصاف، وفق مداخلته، بتعزيز الطاقة الاستيعابية لمؤسسات الطب النفسي والرعاية الاجتماعية المتخصصة، ووضع منظومة متكاملة للتكفل بهذه الفئة.
وفي القطاع الفلاحي، دعا الشريعي إلى تبني سياسة تستهدف بناء طبقة متوسطة من الفلاحين، عبر توجيه الدعم المباشر إلى صغار الفلاحين والكسابة، باعتبارهم من الفئات التي تحتاج إلى آليات تمكنها من الاستمرار ومواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية التي تواجه القطاع.
وفي ختام مداخلته، رسم الشريعي الخط الفاصل بين دعم الطموح الحكومي والتحفظ على الوعود غير المدعومة بضمانات تنفيذية.
وأكد أن حزب الإنصاف، وفق ما عبر عنه، ليس ضد المشاريع الكبرى ولا ضد الطموح الحكومي، وإنما يربط موقفه بمدى قابلية البرنامج للتنفيذ، ووضوح مصادر تمويله، وإمكانية إخضاعه للمحاسبة والتقييم.
واختصر الشريعي موقف حزبه في رسالة سياسية واضحة: الثقة ليست شيكاً على بياض، وإنما تظل مرتبطة ببرنامج واضح التمويل، قابل للتنفيذ والمحاسبة، ويضع العدالة المجالية والاجتماعية في صلب السياسات العمومية.
وفي النهاية، أعاد البرلماني النقاش إلى ما اعتبره جوهر انتظارات المواطنين: فرص شغل حقيقية، وخدمات عمومية ذات جودة، وعدالة في توزيع التنمية، ونتائج ملموسة تتجاوز لغة الوعود إلى أثر فعلي في الحياة اليومية للمغاربة.
تعليقات الزوار