هبة زووم – الرباط
لم تمر تعهدات الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان دون أن تصطدم بجدار أسئلة المعارضة، التي وضعت البرنامج الحكومي تحت مجهر المساءلة، مطالبة بكشف المستور وراء الأرقام المعلنة، وتحديد الآجال الزمنية للتنفيذ، ومصادر التمويل، والآليات الكفيلة بتحويل الوعود السياسية إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المغاربة.
فبين الحديث عن مليون فرصة شغل، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم، وإصلاح الصحة والتعليم والتقاعد، تبرز أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الحكومة على الانتقال من لغة الالتزامات إلى منطق الإنجاز.
وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية وتتآكل فيه القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، لم يعد كافياً أن تقدم الحكومة برنامجاً محملاً بالأهداف والمؤشرات، من دون أن تقنع الرأي العام بكيفية تنزيله، ولا بكلفة إجراءاته، ولا بالجدول الزمني الذي سيجعل المواطن يلمس أثرها بعيداً عن الخطابات الرسمية.
البكوري: استمرار لسياسات أخنوش أم غياب للبدائل؟
في واحدة من أبرز الملاحظات السياسية التي رافقت مناقشة البرنامج الحكومي، اعتبر محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، أن البرنامج المعروض لا يقدم، وفق تقييم فريقه، تحولاً واضحاً في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما يواصل الأوراش التي أطلقتها الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش.
وهو موقف يطرح مفارقة سياسية لافتة: فإذا كان البرنامج يستند إلى مواصلة مشاريع سابقة، فأين تكمن الإضافة النوعية التي تبرر الحديث عن مرحلة جديدة؟ وأين هي البدائل المبتكرة التي يفترض أن تستجيب لتطلعات الشباب والأسر والطبقة المتوسطة، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالشغل والأسعار والخدمات العمومية؟
فالتعويل على تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم المباشر، وإصلاح الصحة والتعليم، وبرنامج دعم السكن، لا يعفي الحكومة من تقديم حصيلة دقيقة لما تحقق، وتحديد مكامن التعثر، والإعلان عن الإجراءات الجديدة التي ستسمح بتجاوز الاختلالات السابقة. أما الاكتفاء بإعادة ترتيب الأوراش نفسها ضمن برنامج جديد، فيجعل السؤال مشروعاً حول ما إذا كان الأمر يتعلق بتحول في السياسات العمومية أم بمجرد استمرار للالتزامات تحت عناوين سياسية مختلفة.
ألف درهم للدعم الاجتماعي.. ولكن متى؟
كان ملف الدعم الاجتماعي المباشر من أكثر الملفات إثارة للجدل، بعدما توقف البكوري عند التعهد برفع قيمته تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم، متسائلاً عن موعد استفادة الأسر من الزيادة الموعودة، خصوصاً أن بلوغ المبلغ المستهدف مرتبط بنهاية الولاية الحكومية.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية في الخطاب الحكومي: الإعلان عن هدف يبدو جذاباً في ظاهره، مقابل ترك الأسر أمام انتظار طويل، من دون وضوح كافٍ بشأن مراحل التنفيذ وشروط الاستفادة والأثر الفعلي للزيادة على مستوى المعيشة.
ومن جانبه، صعّد يونس ملال، المستشار البرلماني عن الفريق الحركي، من انتقاداته لتوزيع الزيادة على خمس سنوات، متسائلاً عن الجدوى الاجتماعية لزيادة سنوية في حدود 100 درهم، في وقت تواجه فيه الأسر أعباء متصاعدة مرتبطة بالغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج.
فهل يكفي رفع الدعم تدريجياً لتخفيف الضغط عن الأسر، إذا كانت الزيادة قد تتآكل بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة؟ وهل يمكن قياس نجاح السياسة الاجتماعية بعدد الدراهم المضافة فقط، أم ينبغي ربطها أيضاً بمؤشرات الفقر والهشاشة والولوج إلى الخدمات الأساسية؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان رقم مستهدف، بل في ضمان أن يصل الدعم إلى مستحقيه، وأن تكون قيمته وآجال صرفه متناسبة مع الحاجيات الاجتماعية الفعلية.
الصحة.. إصلاحات معلنة ومواطنون ينتظرون الإنصاف
في القطاع الصحي، أعادت مداخلات المعارضة إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً يتعلق بالفجوة بين برامج الإصلاح والواقع اليومي للمواطنين. فقد دعا البكوري إلى استكمال تأهيل مراكز الصحة للقرب، ومواصلة بناء المراكز الاستشفائية الجامعية وتجهيزها وتعزيز مواردها البشرية، مطالباً بتوضيح القيمة المضافة التي سيقدمها البرنامج الجديد.
أما ملال، فطالب برفع ميزانية الصحة وسد الخصاص في الأطر والتجهيزات، داعياً الحكومة والوزير الوصي إلى مغادرة المكاتب والنزول إلى الأقاليم والمدن للوقوف ميدانياً على أوضاع المؤسسات الصحية والاستماع إلى مهنيي القطاع.
واستشهد بالوضعية التي وصفها بالصعبة للمستشفى الإقليمي بمكناس، معتبراً أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الإمكانات والموارد البشرية الضرورية لتقديم خدمات صحية لائقة.
كما أثار مسألة الممارسات المنسوبة إلى بعض المصحات الخاصة، والمتعلقة بمطالبة مرضى بتقديم شيكات أو أداء مبالغ غير معلنة قبل الولوج إلى العلاج، مطالباً بتشديد المراقبة ووضع حد لكل ممارسة تستغل حاجة المرضى وظروفهم الصحية.
وتكشف هذه الانتقادات أن إصلاح الصحة لا يمكن اختزاله في بناء المؤسسات أو الإعلان عن مشاريع جديدة، بل يقتضي ضمان التجهيز والتشغيل والتوزيع العادل للأطر الطبية، إلى جانب فرض احترام حقوق المرضى ومراقبة الممارسات التي قد تثقل كاهلهم.
فما جدوى المستشفيات إذا ظلت تعاني نقص الموارد؟ وما قيمة الإصلاح إذا استمر المواطن في مواجهة صعوبات الولوج إلى العلاج أو اضطر إلى البحث عن بدائل مكلفة؟ تلك هي الأسئلة التي يتعين على الحكومة الإجابة عنها بأرقام واضحة وإجراءات قابلة للمحاسبة.
التعليم.. مدارس الريادة تحت الاختبار وشرط السن يثير الجدل
لم يكن قطاع التعليم بمنأى عن سهام المعارضة، إذ اعتبر ملال أن البرنامج الحكومي لا يقدم رؤية متكاملة بما يكفي لتطوير المنظومة خلال السنوات الخمس المقبلة، داعياً إلى تقييم تجربة مدارس الريادة، ورصد مكامن الخصاص قبل توسيعها.
والمطلوب، وفق هذا المنطق، ألا يتحول تعميم التجارب التربوية إلى غاية في حد ذاته، بل أن يستند إلى تقييم موضوعي لنتائجها، ومدى انعكاسها على التعلمات الأساسية، وقدرتها على تقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات الترابية.
كما أثار المستشار البرلماني مسألة شرط السن المحدد في 30 سنة للولوج إلى مهنة التدريس، معتبراً أنه قد يحرم المنظومة من كفاءات وطاقات شابة قادرة على الإسهام في تطوير المدرسة العمومية.
وامتدت الانتقادات إلى ارتفاع تكاليف التعليم الخاص، وما يفرضه من أعباء إضافية على الأسر، خصوصاً فئات من الطبقة المتوسطة التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين تعليم أبنائها.
وبين إصلاح المناهج، وتأهيل المؤسسات، وتحسين ظروف التدريس، وتخفيف الأعباء عن الأسر، يظل السؤال المطروح هو مدى قدرة البرنامج الحكومي على تقديم حلول متكاملة، بدل الاكتفاء بتجميع أهداف عامة لا تكشف وحدها كيف ستتحقق النتائج الموعودة.
مليون فرصة شغل.. أين الخطة والأرقام؟
في ملف التشغيل، تبدو الوعود أكثر حساسية، بالنظر إلى حجم الانتظارات المرتبطة بالبطالة، خصوصاً في صفوف الشباب. فقد تساءل ملال عن الأسس العملية لتحقيق هدف إحداث مليون فرصة شغل، منتقداً غياب استراتيجية واضحة ومحددة زمنياً، وداعياً الحكومة إلى الكشف عن عدد المناصب التي تعتزم إحداثها فعلياً خلال ولايتها.
فالمليون فرصة شغل ليس رقماً للاستهلاك السياسي، بل التزام يفترض أن يستند إلى قطاعات اقتصادية محددة، وبرامج استثمار واضحة، وتقديرات دقيقة للتمويل، وآليات لقياس الوظائف المستحدثة ومدى استدامتها وجودتها.
كما حذر المتحدث من استمرار وجود ملايين الشباب خارج منظومتي التعليم والشغل، داعياً إلى الإنصات إلى هذه الفئة ووضع برامج تستجيب لتحولاتها وانتظاراتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن إقناع الشباب بجدية الوعود إذا لم تتضح أمامهم خريطة الطريق المؤدية إلى الشغل؟ وكيف يمكن تقييم نجاح الحكومة في نهاية ولايتها إذا لم تعلن منذ البداية مؤشرات دقيقة وآجالاً واضحة وآليات للمحاسبة؟
التقاعد.. ورش مؤجل وفاتورته تتفاقم
بدوره، عاد ملف التقاعد إلى واجهة النقاش، بعدما طالب البكوري بتحديد جدول زمني واضح للإصلاح، محذراً من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لاستمرار التأجيل، فيما دعا ملال إلى الكشف عن التصور الحكومي لإصلاح الأنظمة والرفع من الحد الأدنى للمعاشات.
ويطرح هذا الملف تحدياً يتجاوز الحسابات المالية للصناديق، لأنه يرتبط مباشرة بالأمن الاجتماعي للمتقاعدين ومستقبل الأجراء. كما أن استمرار الغموض بشأن الإصلاحات المطلوبة يترك المعنيين أمام حالة من عدم اليقين، في وقت تحتاج فيه أي مراجعة للأنظمة إلى حوار مسؤول وشفافية بشأن الخيارات المطروحة وتداعياتها.
ولا يمكن أن يكون الإصلاح مجرد قرارات تقنية تُتخذ بعيداً عن المعنيين، بل ينبغي أن يقوم على توزيع منصف للأعباء، وضمان استدامة الأنظمة، وحماية الحقوق الاجتماعية، مع الإعلان عن الآجال والإجراءات بشكل واضح.
القدرة الشرائية.. من يلتهم القيمة المضافة؟
وفي مواجهة الضغوط التي تعيشها الأسر، دعا ملال إلى مراجعة سلاسل الإنتاج والتوزيع، بما يسمح للمنتجين الصغار بالاستفادة من القيمة المضافة، ويحد من الأرباح التي يستحوذ عليها الوسطاء.
وتعيد هذه الدعوة النقاش إلى الاختلالات التي قد تعرفها مسارات تسويق بعض المنتجات، وإلى ضرورة تعزيز المنافسة والشفافية ومراقبة الممارسات التي تضر بالمنتجين والمستهلكين معاً.
كما طالب بإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن اختلالات برامج الدعم، للتحقق من أوجه صرف المال العام وترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوزات.
وهو مطلب يضع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أمام اختبار عملي، لأن حماية المال العام لا تتحقق بالشعارات، بل بالرقابة والتدقيق ونشر النتائج واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة متى ثبتت المخالفات.
حكومة الوعود أمام امتحان النتائج
تكشف مداخلات المعارضة بمجلس المستشارين أن البرنامج الحكومي يواجه اختباراً يتجاوز الخلافات الحزبية حول تقييم السياسات السابقة؛ إنه اختبار القدرة على تقديم أجوبة عملية عن أسئلة المغاربة اليومية: أين فرص الشغل؟ متى يتحسن الولوج إلى العلاج؟ كيف ستُخفف أعباء التعليم؟ ما مصير إصلاح التقاعد؟ وكيف ستُحمى القدرة الشرائية؟
وتبقى قيمة أي برنامج حكومي رهينة بقدرته على تحديد الأولويات، وتوفير التمويل، والإعلان عن آجال التنفيذ، ونشر مؤشرات قابلة للقياس، مع تقديم حصيلة دورية تسمح للبرلمان والرأي العام بتقييم الإنجاز ومساءلة المسؤولين عن التعثر.
فالمواطن لا ينتظر مزيداً من الأرقام المعروضة في الجلسات البرلمانية، بقدر ما ينتظر أثراً ملموساً في معيشه اليومي. وبين سقف الوعود وحسابات التنفيذ، ستظل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مطالبة بإثبات أن برنامجها ليس مجرد امتداد لالتزامات سابقة أو تجميع لأهداف مؤجلة، بل خطة قابلة للتنفيذ، واضحة التمويل، ومفتوحة على المحاسبة.
فالرهان الحقيقي ليس في إعلان الأهداف، بل في الوفاء بها؛ وليس في رفع سقف الوعود، بل في تقليص المسافة بين ما تقوله الحكومة وما يعيشه المواطن.
تعليقات الزوار